الأربعاء 9 سبتمبر 2026 / 19:22
نقلت بريطانيا ضغوطها على إيران إلى مستوى جديد، لم يعد يقتصر على استهداف قطاعات الاقتصاد الإيراني، بل امتد إلى ملاحقة الشبكات والمؤسسات المالية المرتبطة بحلفاء طهران في المنطقة، وفي مقدمتها مؤسسة "القرض الحسن" التابعة لحزب الله في لبنان.
وأعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، الثلاثاء، فرض عقوبات على المؤسسة، بالتزامن مع نشر لندن تشريعات تشدد القيود على وصول إيران إلى النظام المالي البريطاني، وتوسع الحظر التجاري والمالي ليشمل قطاعات الطاقة والمعادن والذهب والمصارف والتأمين والشحن، إضافة إلى قيود على الطائرات والسفن المرتبطة بطهران، بحسب رويترز.
ويعكس الجمع بين المسارين تحولاً في هندسة العقوبات، إذ يجمع بين الضغط على الاقتصاد الإيراني من جهة، وتجفيف القنوات التي تساعد طهران لتمويل حلفائها من جهة أخرى، وفق خبير الاقتصاد سعيد محمد.
من جمعية اجتماعية إلى مؤسسة مالية موازية
تعود نشأة "القرض الحسن" إلى عام 1983، حين ظهرت في خضم الحرب الأهلية اللبنانية ضمن شبكة المؤسسات الاجتماعية المرتبطة بحزب الله، قبل أن تسجل رسمياً جمعية اجتماعية لدى وزارة الداخلية اللبنانية عام 1987.
ولا تورد المصادر المتاحة اسم مؤسس فردي للمؤسسة، إذ نشأت ضمن منظومة الخدمات الاجتماعية والمالية المرتبطة بحزب الله، وقدمت نفسها جمعية خيرية تمنح قروضاً بلا فوائد.
لكن المؤسسة توسعت تدريجياً، بحسب رويترز، لتؤدي وظائف تشبه عمل المصارف من دون الخضوع للرقابة المصرفية التقليدية، وتدير أكثر من 30 فرعاً، معظمها في المناطق ذات الغالبية الشيعية في بيروت وجنوب لبنان والبقاع.
كيف يعمل "القرض الحسن"؟
تعتمد المؤسسة على منح قروض بالدولار أو الليرة اللبنانية، غالباً مقابل ذهب أو مجوهرات تفوق قيمتها مبلغ القرض. وتحصل على رسوم إدارية ورسوم لحفظ الضمانات، كما تستقبل مدخرات في حسابات لا تدفع فوائد، ما يوفر لها سيولة يعاد استخدامها في الإقراض.
وتوسع دورها بعد الأزمة المصرفية اللبنانية في 2019، حين قيدت المصارف سحب الودائع وتراجعت قدرتها على الإقراض، فتحولت المؤسسة إلى بديل مالي لشريحة من اللبنانيين المحرومين من الوصول الطبيعي إلى المصارف، وفق "رويترز".
أموال وذهب وحسابات ظل
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المؤسسة في يوليو 2007، متهمة حزب الله باستخدامها غطاء لإدارة نشاطه المالي والوصول إلى النظام المالي الدولي.
وفي 2021، قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن مسؤولين مرتبطين بالمؤسسة استخدموا حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من نصف مليار دولار خلال عقد، ووصفتها بأنها "حسابات ظل" أُجريت عبرها معاملات نيابة عن المؤسسة والحزب.
وفي فبراير (شباط) 2026، استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية شركة لتجارة الذهب قالت إنها تعمل تحت إشراف "القرض الحسن" وتحول احتياطيات الذهب المرتبطة بحزب الله إلى سيولة. وكان مصرف لبنان قد منع في 2025 المؤسسات المالية المرخصة من التعامل المباشر أو غير المباشر معها، بحسب رويترز.
لماذا تستهدف بريطانيا المؤسسة الآن؟
لا يقتصر أثر العقوبات على تجميد أصول "القرض الحسن" الخاضعة للولاية البريطانية، بل يحظر أيضاً توفير الأموال أو الموارد الاقتصادية لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يرفع المخاطر القانونية أمام الشركات والأفراد والوسطاء الذين يقدمون لها خدمات مالية، وفق إرشادات العقوبات المالية البريطانية.
وقد يمتد الضغط إلى قنوات المؤسسة المرتبطة بتجارة الذهب، بعدما قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن "القرض الحسن" استخدمت شركة تعمل تحت إشرافها لتحويل احتياطيات الذهب المرتبطة بحزب الله إلى أموال قابلة للاستخدام، ضمن محاولات تخفيف ضغوط السيولة والالتفاف على العقوبات.
وتنبع أهمية الخطوة البريطانية من مكانة لندن في قطاعات المصارف والتأمين وإعادة التأمين والشحن، ما قد يدفع جهات مالية وتجارية خارج بريطانيا أيضاً إلى تجنب التعامل مع المؤسسة أو الوسطاء المرتبطين بها، خشية التعرض لمخاطر قانونية أو قيود تتعلق بالامتثال للعقوبات.
أوروبا تنتقل من الوساطة إلى الضغط
لعبت بريطانيا وفرنسا وألمانيا دوراً محورياً في الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، قبل أن تفعل الدول الثلاث في أغسطس(آب) 2025 آلية "سناب باك"، متهمة طهران بعدم الالتزام بتعهداتها النووية. وأعاد الاتحاد الأوروبي لاحقاً قيوداً مالية وتجارية ونقلية رُفعت بموجب الاتفاق، وفق ماذكرت الحكومة البريطانية.
وبذلك انتقلت أوروبا من محاولة الحفاظ على الوساطة مع طهران إلى ضغط مالي مباشر، على خلفية البرنامج النووي والسياسات الإقليمية والاتهامات المتعلقة بأنشطة إيرانية معادية.
كيف تضيق الخطوة على إيران؟
استهداف "القرض الحسن" بحسب سعيد محمد، لن يحدث منفرداً صدمة في الاقتصاد الإيراني، لكنه يرفع كلفة تمويل حلفاء طهران، موضحاً أن "إغلاق المؤسسات وشركات الصرافة والحسابات الوسيطة يجبر إيران وحلفاءها على استخدام مسارات أطول وأكثر كلفة ومخاطرة".
وأضاف أن تشديد القيود على إيران بالتزامن مع ملاحقة مؤسسات حلفائها قد يضطر طهران إلى تخصيص موارد أكبر للحفاظ على مستوى التمويل نفسه، في حين تقل القيمة الفعلية للأموال الواصلة وترتفع احتمالات كشف الوسطاء أو تجميد التحويلات.
بدائل أكثر كلفة وأقل أماناً
قد تتجه هذه الشبكات بصورة أكبر برأيه إلى النقد والذهب والحوالات غير الرسمية والعملات المشفرة وشركات الواجهة والتجارة القائمة على السلع.
وقالت الخزانة الأمريكية إن شبكات مرتبطة بحزب الله استخدمت الذهب والسلع والشحن لتوليد الأموال ونقلها، فيما بلغت حركة العملات المشفرة عبر إيران نحو 10 مليارات دولار في 2025، بحسب فاينانشال تايمز.
لكن هذه البدائل برأي الخبير الاقتصادي لا تعوض النظام المصرفي بالكامل، إذ تحتاج إلى وسطاء أكثر وتحمل مخاطر أعلى. ويخلص سعيد محمد إلى أن نجاح العقوبات لا يقاس بمنع كل دولار من الوصول، بل برفع كلفة التمويل وإبطائه ودفع الشبكات إلى قنوات أكثر عرضة للكشف والتعطيل.