رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش (أ ف ب)
الإثنين 14 سبتمبر 2026 / 13:23
تترقب الأوساط الاستثمارية العالمية والأسواق المالية بحذر شديد أسبوعاً اقتصادياً يوصف بأنه الأهم والحاسم للثلث الأخير من العام الجاري. يحمل الأسبوع الجاري في طياته حزمة من البيانات الأمريكية المحورية التي من شأنها إشعال موجة تقلبات قوية تعيد رسم الاتجاهات السعرية لأصول الملاذ الآمن وعلى رأسها الذهب، والعملة الاحتياطية الأولى عالمياً الدولار الأمريكي، إلى جانب أسواق الأسهم العالمية والولايات المتحدة.
وتأتي هذه التحركات وسط ظروف جيوسياسية واقتصادية معقدة، يبرز فيها شبح الحرب الدائرة التي أدت لإغلاق مضيق هرمز ودفعت أسعار النفط لتجاوز عتبة الـ 100 دولار للبرميل، مما أعاد إشعال الضغوط التضخمية بشكل أربك حسابات البنوك المركزية.
خريطة التوقعات
تُظهر الحسابات الرياضية والاحتمالية المبنية على نماذج التسعير المستقبلية تبايناً واضحاً في ردود فعل الأسواق المتوقعة بناءً على المفاجآت الصعودية أو الهبوطية للبيانات. وينقسم الأسبوع الجاري إلى ثلاث مراحل رئيسية من حيث احتساب الوزن النسبي لتأثير كل مؤشر سيتم الإعلان عنه.
تشهد الجلسات الأولى من الأسبوع هدوءاً نسبياً مع غياب البيانات الأمريكية المؤثرة. وتتحرك الأسواق خلال هذين اليومين بناءً على المراكز الفنية المفتوحة مسبقاً، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر وبناء مصدات سيولة كافية بانتظار القرارات المصيرية.
الأربعاء العظيم
يمثل يوم الأربعاء 16 سبتمبر (أيلول) ذروة الاستنفار في وول ستريت والعواصم المالية العالمية، حيث ستكون البداية مع إعلان مبيعات التجزئة الأمريكية لشهر أغسطس (آب).
تأتي هذه القراءة بعد انخفاض مفاجئ بنسبة 0.6% في يوليو (تموز)، مما يضع استهلاك المواطن الأمريكي تحت المجهر لمعرفة مدى صموده أمام التضخم المستورد من أسعار الطاقة. وتتجه الأنظار بعد ذلك إلى الحدث الجوهري المتمثل في قرار الفائدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، يليه المؤتمر الصحفي لرئيس المجلس كفين وارش.
أسعار الذهب تتراجع بفعل مخاوف التضخم وقرار الفيدرالي المرتقب - موقع 24تراجعت أسعار الذهب على نحو طفيف، اليوم الإثنين، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم المخاوف بشأن التضخم، وعزز التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يرفع أسعار الفائدة في اجتماعه للسياسة النقدية هذا الأسبوع.
تشير المعطيات الحالية، خاصة بعد صعود التضخم السنوي (CPI) إلى 3.4% وتسارع التضخم الأساسي بـ 0.3% شهرياً، إلى قفزة نوعية في التوقعات. فوفقاً لأداة "CME FedWatch"، التي تُستخدم لقياس توقعات المستثمرين والتجار بشأن قرارات أسعار الفائدة القادمة، ارتفعت احتمالية قيام الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس (لتصل إلى نطاق 3.75% - 4.00%) إلى حوالي 85%، وهي المرة الأولى التي يلجأ فيها البنك للرفع منذ يوليو (تموز) 2023.
الخميس والجمعة
لن تتوقف الإثارة بانتهاء المؤتمر الصحفي لرئيس الفيدرالي، إذ يترقب المتداولون يوم الخميس صدور مؤشر فيلادلفيا الصناعي الذي يعكس صحة القطاع الإنتاجي، إلى جانب بيانات مبيعات المنازل المعلقة لقياس مدى تأثر القطاع العقاري بقفزة عوائد الرهن العقاري التي تجاوزت 7%.
ويختتم الأسبوع يوم الجمعة ببيانات الإنتاج الصناعي الأمريكي ومعدل استغلال الطاقة، لتقديم صورة نهائية حول ما إذا كان الاقتصاد ينزلق نحو الركود التضخمي أم يبدي مرونة غير متوقعة.
منعطف تاريخي
وتُجمع المؤسسات المالية الدولية وبيوت الخبرة العالمية على أن اجتماع الفيدرالي لهذا الشهر يُعد منعطفاً تاريخياً نظراً للسياسة التي يعتمدها الرئيس الحالي كفين وارش والقائمة على عدم تقديم توجيهات مسبقة للأسواق، مما يرفع من وتيرة المفاجآت ويزيد من حدة التقلبات المتوقعة.
وفي هذا السياق، أشارت مجموعة "يو بي إس" المصرفية في مذكرة بحثية حديثة إلى أن الفيدرالي قد يضطر لتنفيذ رفعين متتاليين بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر وديسمبر (كانون الأول).
وأوضح محللو المجموعة أن "تصريحات وارش السابقة شددت على ضرورة هبوط التضخم نحو مستهدف 2% بسرعة كافية وبما أن ذلك لم يحدث فإن تشديد السياسة بات أمراً حتمياً للحفاظ على مصداقية البنك المركزي".
ومن جهتها، قامت مؤسسة إي واي بارثينون بتغيير توقعاتها رسمياً من التثبيت إلى الرفع بمقدار 25 نقطة أساس، مؤكدة أن وتيرة تباطؤ التضخم الحالية غير مرضية لصناع السياسة النقدية، بينما لفتت مجموعة تي دي سيكيوريتيز إلى أن المفاجآت الصعودية في التضخم وضعت الفيدرالي في مأزق وأن عدم التحرك الفوري برفع الفائدة قد يعطي إشارات سلبية للأسواق تؤدي إلى انفلات كامل للأسعار.
سيناريوهات متوقعة
وبناءً على التقديرات المشتركة لبيوت الخبرة، وضعت المؤسسات الدولية عدة سيناريوهات محتملة لكيفية تحرك الأصول المالية بناءً على مخرجات اجتماع الأربعاء، حيث يمثل السيناريو الأول في قيام الفيدرالي برفع الفائدة مع تبني نبرة متشددة، وهو ما سيؤدي إلى صعود قوي ومستدام للدولار الأمريكي ليقفر مؤشره مدفوعاً باتساع الفارق في عوائد السندات وازدياد جاذبية الودائع الدولارية.
وفي المقابل سيتعرض الذهب لضغوط بيعية نتيجة ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً مما قد يدفع الأسعار للتخلي عن مستويات الدعم الفنية الهامة، في حين ستشهد أسهم "وول ستريت" تراجعات وتصحيحاً حاداً متأثرة بارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع تقييمات التدفقات النقدية المستقبلية لشركات التكنولوجيا والنمو.
ترامب يضغط على الفيدرالي بالحديث عن "أدنى فائدة" في العالم - موقع 24جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعوته إلى خفض أسعار الفائدة، مؤكداً أن الولايات المتحدة، رغم قوة اقتصادها، ينبغي أن تدفع أدنى تكلفة للاقتراض في العالم، في وقت يواجه فيه مجلس الاحتياطي الفيدرالي ضغوطا متزايدة لرفع أسعار الفائدة، بسبب تسارع التضخم.
أما السيناريو الثاني المتمثل في تثبيت الفائدة مع نبرة حذرة، فسينعكس بالسلب على الدولار الأمريكي الذي سيتعرض لعمليات بيع ناتجة عن خيبة أمل المضاربين مما يدفعه لاختبار مستويات دعم دنيا، بينما سيشهد الذهب انفجاراً سعرياً صعودياً ليستفيد بقوة من تراجع العملة الأمريكية ويعود للمطالبة بمستويات قياسية جديدة مدعوماً بمخاطر التضخم الجيوسياسي، وتتنفس أسواق الأسهم الصعداء بموجة صعود ارتياحية تقودها أسهم الشركات الصغيرة والقطاعات الحساسة للفائدة لتعافي واسع النطاق لمؤشرات إس أند بي وناسداك.
الثابت الوحيد
وتأسيساً على ما تقدم، تدخل الأسواق العالمية الأسبوع الجاري وهي تقف على أرضية مهتزة للغاية، فالصراع بين احتواء التضخم الناجم عن أزمة الطاقة الدولية والحفاظ على النمو الاقتصادي من الركود وصل إلى ذروته التاريخية ولم يعد أمام المستثمرين سوى حزم الأمتعة وترقب يوم الأربعاء الأسود أو الأبيض بناءً على ما ستؤول إليه الأمور، حيث سيعاد تسعير الأصول بناءً على كل كلمة سيتلفظ بها كفين وارش في مؤتمره الصحفي. يبقى الثابت الوحيد في الأيام القادمة هو أن التقلبات الحادة ستكون سيدة الموقف وأن إدارة المخاطر الصارمة هي طوق النجاة الوحيد للمحافظ الاستثمارية.