مولدة بالذكاء الاصطناعي (24)
مولدة بالذكاء الاصطناعي (24)
الإثنين 14 سبتمبر 2026 / 17:52

قمة كارديف تفتح ملف مستقبل المملكة المتحدة وتداعياته الاقتصادية

تفتح القمة التي تجمع، اليوم الإثنين، قيادات مؤيدة للاستقلال من إسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية في كارديف، باباً جديداً أمام واحد من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد والسياسة البريطانيين هو: مستقبل المملكة المتحدة نفسها، وما يترتب اقتصادياً على تفككها إذا تحولت المطالب الدستورية إلى استفتاءات فعلية ثم إلى انفصال.

إيرلندا الشمالية تمثل السيناريو الأكثر تعقيداً، لأنها ليست أمام نموذج "استقلال" تقليدي فقط، بل أمام احتمال الوحدة مع جمهورية إيرلندا.

الانفصال سيعيد أيضاً فتح ملفات "الإنفاق العام"، "الضرائب"، "الدين"، وتقاسم أصول الدولة.

وبحسب تقارير بريطانية، يجتمع زعيم الحزب القومي الإسكتلندي ورئيس وزراء إسكتلندا جون سويني، وزعيم "بلايد كامري" ورئيس وزراء ويلز رون أب يورورث، ونائبة رئيس "شين فين" ورئيسة وزراء إيرلندا الشمالية ميشيل أونيل، إلى جانب رئيسة الحزب ماري لو ماكدونالد، في كارديف، على أن يوقعوا مذكرة تفاهم تؤكد حق شعوب الدول الثلاث في تقرير المصير والسعي إلى استفتاءات بشأن مستقبلها الدستوري.

وإذا تحول هذا المسار السياسي إلى "انفصال فعلي" في المستقبل، فإن الاقتصاد سيكون على الأرجح أكثر تعقيداً من السياسة؛ إذ ترتبط الاقتصادات الأربعة داخل المملكة المتحدة بشبكة كثيفة من العلاقات.

التجارة أولى الاختبارات

تمثل إسكتلندا الحالة الاقتصادية الأكبر والأكثر استعداداً للنقاش حول الاستقلال، لكنها أيضاً تكشف حجم الترابط مع بقية المملكة المتحدة. وبحسب أحدث بيانات الحكومة الإسكتلندية المتاحة، بلغت صادرات إسكتلندا إلى المملكة المتحدة 55.4 مليار جنيه إسترليني (74.7 مليار دولار) في 2023، أي ما يعادل 60% من إجمالي صادراتها، مقابل 37.7 مليار جنيه (51 مليار دولار) من الصادرات الدولية. كما أن أكثر من نصف صادرات إسكتلندا إلى بقية بريطانيا تأتي من قطاع الخدمات.

وتزداد المسألة تعقيداً إذا نفذت حكومة مستقلة في إدنبرة خطتها المعلنة للعودة إلى الاتحاد الأوروبي. فالحكومة الإسكتلندية تقول إن "الاستقلال سيتيح لها طلب عضوية الاتحاد واستعادة الوصول الكامل إلى السوق الأوروبية الموحدة"، لكنها تقر في الوقت نفسه بأن الحدود التجارية مع بقية المملكة المتحدة ستخضع إلى قواعد الاتحاد الأوروبي واتفاق يتم التفاوض عليه مع لندن.

وبالتالي ستواجه إسكتلندا مفاضلة اقتصادية جوهرية: تقليل الحواجز مع أوروبا من جهة، مقابل احتمال ظهور حواجز جديدة مع السوق البريطانية التي تستوعب حالياً معظم صادراتها من جهة أخرى.

العملة.. السؤال الأصعب

لا تقل قضية العملة حساسية عن التجارة. فالخطة الرسمية للحكومة الإسكتلندية تقترح مواصلة استخدام الجنيه الإسترليني خلال السنوات الأولى بعد الاستقلال، قبل الانتقال، إلى عملة إسكتلندية جديدة وبنك مركزي مستقل. وتؤكد إدنبرة أن استخدام الإسترليني في المرحلة الانتقالية لا يحتاج إلى موافقة رسمية من لندن.

لكن استمرار استخدام الإسترليني من دون اتحاد نقدي رسمي سيحد من قدرة الدولة الجديدة على التحكم في أسعار الفائدة وإصدار العملة وإدارة السيولة في أوقات الأزمات.

أما إنشاء عملة جديدة يمنح السياسة الاقتصادية استقلالاً أكبر، لكنه يطرح أسئلة حول سعر الصرف، واحتياطيات النقد الأجنبي، وأصول البنوك، والعقود المقومة بالإسترليني، وتكلفة الاقتراض السيادي.

فاتورة الانفصال مرتفعة

الانفصال سيعيد فتح ملفات "الإنفاق العام"، "الضرائب"، "الدين"، وتقاسم أصول الدولة. إذ تظهر أحدث إحصاءات رسمية أن العجز المالي لإسكتلندا بلغ 10.9% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025 - 2026 مقابل 4.2% للمملكة المتحدة ككل.

وتفيد الأرقام بأن الإيرادات الإسكتلندية للفرد تقارب المتوسط البريطاني، لكن مستويات الإنفاق العام الأعلى تجعل الفجوة المالية أكبر. ولا تعني هذه الأرقام أن دولة مستقلة ستبدأ بالضرورة بالعجز نفسه، لأن هيكل الإنفاق والضرائب وتقاسم الدين سيتغير، لكنها تعطي مؤشراً على حجم التحدي الذي ستواجهه حكومة مستقلة عند محاولة موازنة الخدمات العامة مع الإيرادات المتاحة.

ويلز.. ومعضلة التحويلات

بالنسبة إلى ويلز، سيكون التحدي المالي أكثر حدة. فتقديرات معهد "الدراسات المالية البريطاني" تظهر أن العجز المالي المحسوب للفرد في ويلز بلغ 7,149 جنيهاً (9,650 دولاراً) في 2024 - 2025، وهو أعلى من نظيره في إسكتلندا. ويعكس ذلك جزئياً ارتفاع الإنفاق العام مقارنة بالإيرادات الضريبية المحلية.

وتتمتع ويلز بقاعدة تصديرية صناعية مهمة. بلغت 19.2 مليار جنيه (25.9 مليار دولار)  إلى الأسواق خارج بريطانيا في 2025، والاتحاد الأوروبي استحوذ على 55.9% منها. لكن بيانات التجارة الدولية لا ترصد بالكامل حجم تدفقات السلع والخدمات بين ويلز وإنجلترا.

استفتاء سويسري يعيد الجدل حول الحياد والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي - موقع 24تستعد سويسرا لإجراء استفتاء شعبي عام على تغيير الدستور، بما يفتح الباب أمام قدر من المرونة في مدى التزامها بموقف الحياد الدولي الذي تلتزم به منذ عقود.

إيرلندا الشمالية.. حالة مختلفة

إيرلندا الشمالية تمثل السيناريو الأكثر تعقيداً، لأنها ليست أمام نموذج "استقلال" تقليدي فقط، بل أمام احتمال الوحدة مع جمهورية إيرلندا. ووفق أحدث بيانات هيئة الإحصاء والبحوث، بلغت مبيعات شركات الإقليم إلى المملكة المتحدة 20.1 مليار جنيه (27.1 مليار دولار) في 2024، ما يعادل 18.4% من إجمالي المبيعات، وبلغت المبيعات إلى الأسواق خارج بريطانيا 19.6 مليار جنيه (26.4 مليار دولار).

ويملك الإقليم بالفعل وضعاً اقتصادياً فريداً بسبب "إطار وندسور" (جزء من النظام الضريبي والجمركي البريطاني)، لكنه يحتفظ في تجارة السلع بدرجة من التوافق مع قواعد السوق الأوروبية الموحدة.

ولهذا، فإن الوحدة مع جمهورية إيرلندا تخفف بعض الاحتكاكات مع السوق الأوروبية، لكنها ستطرح في المقابل قضايا كبرى حول انتقال الضرائب والإنفاق والرعاية الصحية والمعاشات والعملة من الإسترليني إلى اليورو، فضلاً عن مستقبل التدفقات التجارية مع بريطانيا.