ين ياباني (رويترز)
الجمعة 18 سبتمبر 2026 / 11:41
على مدى عقود، كان الين الياباني إحدى أبرز عملات التمويل في الأسواق العالمية، مستفيداً من انخفاض كلفة الاقتراض في اليابان مقارنة بالعوائد التي توفرها الأصول في اقتصادات أخرى.
ولكن التحول في السياسة النقدية اليابانية بدأ يغير هذه المعادلة، مع اتجاه بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة وتقليص الفارق الذي جعل الين أداة مفضلة لتمويل الاستثمارات حول العالم، فيما يبرز اليوان الصيني كأحد البدائل التي يراقبها المستثمرون.
وبحسب وكالة بلومبرغ، يعيد المستثمرون تقييم العملات التي يمكن استخدامها كمصدر منخفض الكلفة لتمويل صفقات "الكاري تريد"، في ظل تغير البيئة النقدية العالمية.
وتعتمد صفقات "الكاري تريد" على الاقتراض بعملة ذات كلفة تمويل منخفضة، ثم تحويل الأموال إلى عملة أخرى واستثمارها في أصول ذات عائد أعلى، بحيث يستفيد المستثمر من فارق أسعار الفائدة، ما دامت حركة سعر الصرف لا تمحو العائد المحقق.
وكان الين مناسباً بصورة استثنائية لهذه الاستراتيجية، بعدما حافظت اليابان لسنوات طويلة على أسعار فائدة شديدة الانخفاض، في وقت كانت فيه الاقتصادات الكبرى توفر عوائد أعلى على السندات والأصول المالية.
وأتاح ذلك للمستثمرين الاقتراض بالين ثم توجيه الأموال إلى أسواق مثل الولايات المتحدة والأسواق الناشئة، بحثاً عن عوائد أكبر، إذ يمكن للمستثمر الاقتراض بالين بتكلفة منخفضة، وتحويل الأموال إلى الدولار لشراء سندات أمريكية أو أصول مالية أخرى ذات عائد أعلى. وكلما اتسع الفارق بين أسعار الفائدة، ازدادت جاذبية الصفقة، خصوصاً عندما تكون أسواق العملات مستقرة وتظل تكلفة التحوط من مخاطر الصرف محدودة.
بنك اليابان يعيد رسم المعادلة
بدأت الميزة التاريخية للين في التراجع مع خروج بنك اليابان تدريجياً من حقبة السياسة النقدية فائقة التيسير. فارتفاع أسعار الفائدة المحلية يزيد كلفة الاقتراض بالين، ويضغط في الوقت نفسه على الفارق بين كلفة التمويل والعائد المتوقع من الاستثمار في الخارج.
ومع تقلص هذا الفارق، تصبح صفقات "الكاري تريد" أقل جاذبية، حتى في حال استمرار ارتفاع عوائد الأصول الأجنبية. كما أن ارتفاع الين أمام العملات التي استثمر فيها المقترض يزيد المخاطر، إذ يمكن أن تنخفض قيمة العوائد عند تحويلها مجدداً إلى الين، وقد يتحول فارق أسعار الفائدة الإيجابي إلى خسارة ناتجة عن حركة سعر الصرف.
اليوان يدخل سباق عملات التمويل
مع تراجع جاذبية الين، تتجه أنظار المستثمرين إلى عملات أخرى يمكن استخدامها لتمويل الاستثمارات. ويبرز اليوان الصيني ضمن هذه الخيارات، في ظل اختلاف مستويات أسعار الفائدة والسياسات النقدية بين الصين والاقتصادات الكبرى.
وتوفر الصين بيئة نقدية مختلفة تسمح للمستثمرين بمقارنة تكلفة التمويل باليوان مع العوائد المتاحة في أسواق أخرى. إلا أن استخدام العملة الصينية في صفقات "الكاري تريد" يظل أكثر تعقيداً من الين، بسبب طبيعة سوق الصرف الصينية والقيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال.
لذلك، فإن أي تحول من الين إلى اليوان لا يمثل استبدالاً مباشراً بين عملتين، بل يعكس إعادة تقييم لأفضل مصادر التمويل في ظل تغير أسعار الفائدة والسياسات النقدية العالمية.
الفائدة ليست العامل الوحيد
لا تتحدد جاذبية "الكاري تريد" بفارق أسعار الفائدة وحده، إذ تلعب توقعات حركة العملات ومستويات التقلب دوراً حاسماً في قرارات المستثمرين.
في فترات هدوء الأسواق وانخفاض التقلبات، يستطيع المستثمرون تحمل مخاطر العملة بهدف تحقيق عائد إضافي من فارق الفائدة. لكن ارتفاع التقلبات قد يدفعهم إلى إغلاق مراكزهم بسرعة، وإعادة الأموال إلى عملة التمويل وسداد القروض.
ولهذا ترتبط شعبية "الكاري تريد" عادة بالبيئات التي تتسم بانخفاض التقلبات واتساع الفوارق في أسعار الفائدة. وعندما تتعرض الأسواق لصدمة مفاجئة، يمكن أن تبدأ عمليات إغلاق جماعية للصفقات، ما يدفع المستثمرين إلى بيع الأصول التي اشتروها بأموال مقترضة، ويزيد الطلب على عملات التمويل في الوقت نفسه.
تدفقات الأموال تحت المجهر
تتجاوز تداعيات "الكاري تريد" سوق العملات، إذ يمكن للأموال المقترضة بتكلفة منخفضة أن تتدفق إلى الأسهم والسندات والعملات والأصول في الأسواق الناشئة.
وبالتالي، فإن تراجع جاذبية الين كعملة تمويل قد يؤدي إلى إعادة توزيع لرؤوس الأموال بين الأسواق. وإذا بدأ المستثمرون في تقليص مراكزهم الممولة بالين، فقد يرتفع الطلب على العملة اليابانية مع إعادة الأموال إلى البلاد، بالتزامن مع عمليات بيع لبعض الأصول التي جرى تمويل شرائها عبر الاقتراض بالين.
وهذا يمنح قرارات بنك اليابان أهمية تتجاوز الاقتصاد الياباني، لأن تغير تكلفة التمويل بالين يمكن أن يؤثر في تدفقات رأس المال العالمية وأسعار الأصول في أسواق متعددة.
إعادة تشكيل خريطة "الكاري تريد"
لا يعني تراجع ميزة الين انتهاء دوره كعملة تمويل عالمية، لكنه يشير إلى أن الظروف التي جعلته الخيار المفضل لعقود لم تعد مضمونة. فمع ارتفاع أسعار الفائدة اليابانية وتقلص الفوارق مع الاقتصادات الأخرى، تصبح تكلفة الاقتراض ومخاطر سعر الصرف أكثر تأثيراً في حسابات المستثمرين.
وفي المقابل، تفتح هذه البيئة المجال أمام عملات أخرى للدخول في سباق التمويل، بينما تصبح الفوارق في أسعار الفائدة والسياسات النقدية ومستويات التقلب عوامل رئيسية في تحديد اتجاه رؤوس الأموال. وبذلك، لا يمثل تغير وضع الين مجرد تحول في سوق الصرف، بل قد يكون جزءاً من إعادة ترتيب أوسع لخريطة "الكاري تريد" التي ساهمت في توجيه تدفقات الأموال العالمية على مدى عقود.