لقاء يجمع آندي برنهام وأورسولا فون دير لاين (أ ف ب)
لقاء يجمع آندي برنهام وأورسولا فون دير لاين (أ ف ب)
الخميس 1 أكتوبر 2026 / 16:37

بريكست بين المكاسب والخسائر.. هل تعود بريطانيا إلى أحضان "القارة العجوز"؟

بعد نحو عقد على استفتاء بريكست، عادت علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي إلى صدارة النقاش السياسي، بعدما فتح رئيس الوزراء آندي برنهام الباب أمام دراسة مجموعة من الخيارات لمستقبل العلاقة مع بروكسل، بما فيها احتمال العودة الكاملة إلى الاتحاد.

ويأتي طرح برنهام في إطار مراجعة الحكومة للعلاقة طويلة الأجل مع الاتحاد الأوروبي، بعدما قال إن بريكست ألحق ببريطانيا ضرراً أكبر من فائدته، فيما تستعد لندن لطرح رؤيتها خلال القمة البريطانية الأوروبية المرتقبة في نوفمبر (تشرين الثاني).

لكن الحكومة لم تتبن حتى الآن العودة إلى الاتحاد باعتبارها سياسة رسمية، إذ تشمل الخيارات المطروحة أيضاً توثيق العلاقات الاقتصادية أو العودة إلى اتحاد جمركي أو السوق الموحدة.

فهل يمكن أن تعود المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي؟

تصويت البريطانيين
في يونيو (حزيران) 2016، اختار 51.9% من الناخبين البريطانيين مغادرة الاتحاد الأوروبي، مقابل 48.1% صوتوا للبقاء، في استفتاء شارك فيه أكثر من 33.5 مليون شخص.

وبعد سنوات من المفاوضات، خرجت المملكة المتحدة رسمياً من الاتحاد في 31 يناير (كانون الثاني) 2020، قبل انتهاء الفترة الانتقالية في نهاية العام نفسه، لتغادر السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي، وتنتهي حرية الحركة، وتخضع التجارة بين الجانبين لإجراءات حدودية وتنظيمية وقواعد منشأ جديدة.

التجارة الخارجية
ورغم الخروج، لا يزال الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا.

وفي 2025، استحوذت دول الاتحاد على 41.3% من إجمالي صادرات المملكة المتحدة، بقيمة 384.4 مليار جنيه إسترليني، فيما شكلت نحو 51% من واردات السلع البريطانية عند استبعاد الذهب غير النقدي.

ويعود جانب من النقاش بشأن العلاقة مع أوروبا إلى تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني، الذي لا يزال يفترض أن ترتيبات التجارة بعد بريكست ستجعل حجم الصادرات والواردات أقل بنحو 15% على المدى الطويل مقارنة بسيناريو البقاء في الاتحاد، وأن انخفاض كثافة التجارة سيخفض الإنتاجية المحتملة بنحو 4%.

أثر على الناتج
وتشير دراسة للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأمريكي إلى أثر أكبر.

وتقدر الدراسة، التي تستند إلى بيانات تمتد لنحو عقد منذ استفتاء 2016، أن الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بحلول نهاية 2025 كان أقل بنحو 6% إلى 8% مما كان يمكن أن يكون عليه في غياب بريكست.

كما قدرت تراجع الاستثمار بنحو 12% إلى 13% والتوظيف بنحو 3% إلى 4% والإنتاجية بنحو 3% إلى 4%.

وتظل هذه النتائج تقديرات مقارنة بمسار اقتصادي افتراضي، وليست انخفاضاً مباشراً بهذه النسب عن مستويات الناتج المسجلة فعلياً.

تعقيد التجارة
وتظهر آثار الخروج بصورة خاصة في التجارة، إذ تظل أوروبا سوقاً رئيسية للشركات البريطانية، لكن الوصول إليها أصبح أكثر تعقيداً نتيجة الإجراءات الجمركية والفحوص والمتطلبات التنظيمية وقواعد المنشأ التي لم تكن مطبقة أثناء عضوية بريطانيا في السوق الموحدة.

تغير المزاج الشعبي
ويتزامن النقاش السياسي مع تغير واضح في اتجاهات الرأي العام.

وأظهر استطلاع لـ"يوغوف" في يونيو أن 55% من البريطانيين يؤيدون عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن التأييد يتراجع إلى 35% إذا كانت العودة تتطلب التخلي عن الاستثناءات التي كانت بريطانيا تتمتع بها سابقاً، مثل عدم الانضمام إلى اليورو ومنطقة شنغن، ما يظهر أن شروط العضوية المحتملة ستكون عاملاً رئيسياً في أي نقاش مستقبلي.

مكاسب السياسة التجارية المستقلة
وفي المقابل، منح بريكست لندن حرية أكبر في رسم سياستها التجارية وإبرام اتفاقات بصورة مستقلة عن الاتحاد الأوروبي.

ومن أبرز هذه الخطوات انضمام المملكة المتحدة إلى اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ "CPTPP"، التي تربطها بمجموعة من اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ والأمريكتين.

وتقدر الحكومة البريطانية أن العضوية قد تضيف نحو ملياري جنيه إسترليني سنوياً إلى الناتج المحلي على المدى الطويل، وأن تزيد التجارة مع أعضاء الاتفاق بنحو 4.9 مليار جنيه إسترليني مقارنة بمسار عدم الانضمام.

ومنذ سبتمبر 2026، أصبحت الشركات البريطانية تتمتع بالوصول الكامل إلى جميع دول الاتفاق بعد اكتمال إجراءات التصديق على العضوية.

العودة ممكنة؟
قانونياً، يمكن لبريطانيا التقدم بطلب جديد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن العودة لن تعني استعادة عضويتها القديمة بالشروط نفسها.

وسيتعين عليها التفاوض على شروط العضوية والحصول على موافقة دول الاتحاد، بينما يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت ستتمكن من استعادة الاستثناءات السابقة المتعلقة باليورو وشنغن وغيرها من السياسات الأوروبية.

لذلك، فرغم عودة خيار العضوية إلى النقاش السياسي البريطاني للمرة الأولى منذ سنوات، فإن أي عودة فعلية ستبقى مساراً سياسياً وقانونياً طويل الأجل، يتوقف على موقف الحكومة والرأي العام وشروط الاتحاد الأوروبي.