الجمعة 2 أكتوبر 2026 / 19:26

الذهب يتألق والدولار يترنح.. الأسواق تعاقب العملة الأمريكية بعد نكسة الوظائف

سارعت الأسواق العالمية اليوم إلى معاقبة الدولار الأمريكي، مع دفع الذهب نحو مستويات مرتفعة، وإن بنسب محدودة، فور صدور بيانات سوق العمل الأمريكية لشهر سبتمبر (أيلول)، والتي جاءت أضعف بكثير من التوقعات.

وكشف التقرير الشهري لوزارة العمل عن تباطؤ حاد وصادم في رغبة الشركات في التوظيف، بالتزامن مع انكماش نمو الأجور وارتفاع معدلات البطالة. 

ووضع التدهور في مؤشرات سوق العمل العملة الأمريكية تحت ضغوط بيعية، مدفوعاً بتراجع رهانات المستثمرين على استمرار النهج التشديدي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، الذي يواجه الآن ضغوطاً متزايدة بشأن مسار أسعار الفائدة.

وأظهر تقرير الوظائف غير الزراعية تباطؤاً حاداً في قدرة الاقتصاد الأمريكي على خلق وظائف جديدة، إذ لم يضف الاقتصاد سوى 29 ألف وظيفة خلال شهر سبتمبر.

ويمثل هذا الرقم هبوطاً مدوياً مقارنة بالقراءة السابقة البالغة 162 ألف وظيفة في أغسطس (آب)، وبعيداً جداً عن متوسط تقديرات المحللين التي كانت تترقب إضافة 89 ألف وظيفة. 

ارتفاع البطالة 

ولم تتوقف البيانات السلبية عند عتبة خلق الوظائف، بل امتدت لتشمل المحاور الأخرى المكونة للتقرير، إذ سجل معدل البطالة ارتفاعاً طفيفاً ليصل إلى 4.2% ،بعدما كان مستقراً عند 4.1% في القراءات السابقة والتوقعات.

وعلى الرغم من أن الارتفاع يبدو طفيفاً، إلا أنه يعكس بدء ظهور شقوق في مرونة سوق العمل الذي طالما تفاخر الفيدرالي بقوته.

بالتوازي مع ذلك، تباطأ نمو الأجور الشهرية بشكل حاد ليسجل 0.1% فقط في متوسط الأجور في الساعة، مقارنة بالقراءة السابقة والتقديرات التي استقرت عند 0.3%، الأمر الذي يقلل من الضغوط التضخمية الناتجة عن الأجور، لكنه يعكس في الوقت ذاته تراجع القوة الشرائية والطلب الداخلي للمستهلكين.

وكان الأثر الفوري لهذه البيانات المخيبة للتوقعات بمثابة نقطة تحول دراماتيكية في معنويات المستثمرين وحساباتهم المستقبلية لسياسة الفيدرالي النقدية.

تراجع التوقعات برفع الفائدة 

وعكست منصات التحليل المالي، وفي مقدمتها أداة سي إم إي فيدووتش، هذا التحول الجذري بالأرقام. فقبل صدور التقرير، كانت الأسواق والشركات الاستثمارية تُسعر احتمالية تتجاوز 70% لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه المقبل أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، ولكن فور صدور التقرير، انهارت هذه الاحتمالات بشكل حاد لتصل إلى 28% . 

ويعكس التراجع السريع في توقعات رفع أسعار الفائدة أن الأغلبية الساحقة من المتداولين والمؤسسات الاستثمارية باتت تتوقع الآن أن يجبر التباطؤ الاقتصادي البنك المركزي على تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير، لتجنب خنق قطاع الأعمال.

تقلبات الأسواق 

وفور صدور البيانات وتغيير تسعير الفائدة، شهدت الأسواق المالية تقلبات حادة وعنيفة. إذ تعرض مؤشر الدولار الأمريكي لهبوط فوري أمام سلة من العملات الرئيسية مثل اليورو والجنيه الإسترليني، مدفوعاً بتقلص جاذبية العملة الأمريكية مع انخفاض عائدات السندات. 

على الجانب الآخر، تلقت أسعار الذهب دفعة قوية باعتباره الملاذ الآمن الأبرز، مستفيداً من تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، التي انخفضت بفعل توجه المستثمرين نحو تسعير سياسة نقدية أقل تشدداً.

وأثارت هذه البيانات قلقاً واسعاً لدى كبرى بيوت الأبحاث والمؤسسات الاستثمارية في وول ستريت والعالم، والذين سارعوا إلى تعديل مذكراتهم البحثية للعملاء.

سوق العمل والتضخم 

ويرى المحللون الاقتصاديون في "بنك تي دي سيكيوريتيز" أن التباطؤ الحاد في الوظائف إلى 29 ألفاً، مصحوباً بارتفاع البطالة إلى 4.2%، يعود بجزء منه إلى انعكاس العوامل الموسمية وارتفاع معدلات المشاركة في القوى العاملة. 

وأشار البنك في تقريره إلى أن  الضعف الكبير في نمو الأجور البالغ 0.1% على أساس شهري، يؤكد أن سوق العمل بات أقل ضغطاً على التضخم، وهو ما جعل أرقام سبتمبر نقطة تحول محورية في مسار الفيدرالي. 

وفي تحليل عاجل آخر أصدره خبراء الاستراتيجية لدى مجموعة "إم يو إف جي" المصرفية، تمت الإشارة إلى أن الجانب السلبي المخيب لتقرير الوظائف قد أدى إلى إعادة تسعير منحنى الفائدة بشكل كامل. 

وأكدت المجموعة أن المخاطر الهبوطية قد تحققت بالفعل؛ ما دفع عوائد السندات قصيرة الأجل وطويلة الأجل لأجل 10 سنوات إلى التراجع السريع، إذ بدأ المستثمرون يشككون في قدرة الاقتصاد على تحمل أي زيادات إضافية في تكاليف الاقتراض.

ضغط على الفيدرالي 

يضع تقرير الوظائف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي وأعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في موقف لا يحسدون عليه. فخلال الفترة الماضية، كان الخطاب الرسمي يركز على أن سوق العمل في حالة جيدة جداً، ما يمنح البنك المرونة لمكافحة أي جيوب تضخمية متبقية. إلا أن إضافة 29 ألف وظيفة فقط، وهو رقم يقل بكثير عن الحد الأدنى المطلوب البالغ 50 إلى 80 ألف وظيفة شهرياً لمواكبة نمو السكان في سن العمل، يُرسل إشارة تحذيرية حمراء بأن السياسة التقييدية المتبعة بدأت تحاصر أركان الاقتصاد الحقيقي وتكبح رغبة الشركات في التوظيف.

كما أن تراجع متوسط الأجور إلى 0.1% يمنح الفيدرالي طمأنينة من جهة أن دوامة الأجور والتضخم قد تم كبحها. ولكن من جهة أخرى، يثير التقرير مخاوف جدية من احتمالية الدخول في سيناريو الهبوط الخشن أو الركود الاقتصادي إذا استمر هذا التدهور السريع في الأشهر المقبلة.

يمثل تقرير التوظيف الصادر اليوم نقطة تحول استراتيجية للاقتصاد الأمريكي خلال الربع الأخير من عام 2026. إن النتيجة السلبية القاطعة على الدولار، مصحوبة بالانهيار السريع لتوقعات رفع الفائدة من 70 إلى 28%، تعكس إدراك الأسواق الفوري بأن عهد الرفع العنيف وغير المشروط لأسعار الفائدة قد وصل إلى نهايته الحتمية. 

ومن المتوقع أن تتجه الأنظار الآن صوب تقارير التضخم القادمة مثل مؤشر أسعار المستهلكين، للتأكد مما إذا كان الفيدرالي سيكتفي بالمرونة والتثبيت في أكتوبر، أم أنه سيضطر قريباً إلى مناقشة خفض الفائدة لإنقاذ سوق العمل من ركود يلوح في الأفق.