نفط الصين (رويترز)
نفط الصين (رويترز)
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 / 18:23

وقف صادرات الوقود المكرر.. بكين تربك الأسواق العالمية

دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة جديدة من التفتت الجيوسياسي مع بدء التطبيق الفعلي لقرار بكين بوقف صادرات الوقود المكرر، ما دفع العواصم الكبرى إلى مراجعة خططها الطارئة بشكل متسارع.

وفيما تعكس الخطوة الصينية تحولاً جذرياً نحو الحمائية الداخلية، بدأت ملامح رد الفعل الدولي تتضح عبر مسارات دبلوماسية واقتصادية مغايرة للتوقعات الأولية.

ولم يكن القرار الصيني بقيادة اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح خطوة مفاجئة بقدر ما كان استجابة حتمية لأرقام ميدانية حرجة، حيث تشير بيانات مؤسسة "كبلر" لأبحاث الطاقة إلى أن مخزونات الديزل وزيت الغاز المحلية في الصين تراجعت بمقدار 20 مليون برميل دون مستويات الأمان المطلوبة لضمان استقرار الاستهلاك الداخلي. 

كما سجلت مخازن البنزين عجزاً 9 ملايين برميل، ما تزامن مع ذروة الحركة في الأسبوع الذهبي والعيد الوطني. 

تفضيل السوق المحلية 

جاء تراجع واردات النفط الخام من الشرق الأوسط بنسبة 24.3% نتيجة الحرب الأمريكية الإيرانية وتضرر حركة الناقلات في مضيق هرمز، ليجبر شركات عملاقة مثل "بتروتشاينا" على  تفضيل السوق المحلية وإلغاء شحنات شهر أكتوبر (تشرين الأول) بالكامل.

وفي المقابل، شهد الموقف الأمريكي تحولاً استراتيجياً مهماً بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب رسمياً استبعاد فرض أي حظر على صادرات الديزل الأمريكية.

وفكك هذا التطور المخاوف من حدوث جفاف كامل في المعروض الدولي بناءً على تفاهمات جديدة نجحت واشنطن من خلالها في دفع فرنسا وألمانيا للسحب الفوري من احتياطياتهما الاستراتيجية لتعويض العجز الآسيوي والصيني.

حماية المستهلك 

أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، أن الأسواق بدأت تستوعب الصدمة بفضل التنسيق المشترك، وهو تحرك يهدف بالأساس إلى حماية مستهلكي الوقود في أمريكا وتفادي قفزات التضخم قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

نفط الشرق الأوسط.. تدفقات تدعم توازن الأسواق قبل الشتاء - موقع 24قال الرئيس التنفيذي لشركة فيتول العملاقة لتجارة السلع الأولية، راسل هاردي، الثلاثاء، إن نحو 12 مليون برميل من النفط الخام ومليوني برميل من المنتجات المكررة غادرت منطقة الشرق الأوسط يومياً خلال الأيام السبعة إلى العشرة الماضية، بحسب رويترز.

ورغم التدخلات الحكومية، سجلت بورصات الطاقة فروقاً سعرية غير مسبوقة تكشف عن انفصال أسعار المشتقات عن أسعار النفط الخام نفسه، إذ قفزت أسعار الديزل في محطات الوقود الأمريكية إلى 6.31 دولار للغالون. 

وأدت كلفة الوقود المرتفعة إلى موجة إفلاسات شملت أكثر من 12 شركة نقل بري صغيرة في الولايات المتحدة، وفقاً لتقرير "وول ستريت جورنال"، في حين جرى تداول الديزل في المركز الآسيوي بسنغافورة بعلاوة قياسية 75 دولاراً للبرميل فوق كلفة الخام المشتق منه.

بكين والسوق الثانوية 

في هذا السياق، يرى معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن هذا النمط من الإغلاق الفجائي يثبت أن بكين تتعامل مع الأسواق الدولية كفكرة ثانوية مقارنة بأمنها الداخلي.

ويشير  بنك "يو بي إس" إلى أن غياب البراميل الصينية يتزامن مع تمديد روسيا لحظر تصدير الديزل الخاص بها حتى نهاية أكتوبر، ما يحرم الاقتصاد العالمي من أهم صمامات أمانه.

وتتحمل منطقة آسيا والمحيط الهادئ العبء الأكبر لغياب الإمدادات الصينية، وتحديداً دول مثل الفلبين وبنغلاديش اللتين تعتمدان على الصين لتأمين ما يصل إلى 50% من وقودهما المكرر، حيث ستضطران إلى دخول منافسة شرسة للاستيراد من كوريا الجنوبية والهند بكلفة شحن باهظة. 

وتواجه أستراليا كذلك ضغوطاً في كلفة التشغيل نظراً لاعتمادها الكثيف على بكين لتأمين ثلث احتياجاتها من وقود الطائرات، في حين يتوقع صندوق النقد الدولي قفزة في التضخم لدول جنوب آسيا مثل سريلانكا لتصل إلى 2.6% بدلاً من 1.4%.

تحرك وكالة الطاقة 

في محاولة لاحتواء الصدمة، تتحرك وكالة الطاقة الدولية بالتنسيق مع مجموعة السبع لضخ مشترك بواقع 100 مليون برميل من الديزل والوقود على مدار أربعة أشهر، تساهم أوروبا بنحو 50 مليون برميل منها ووزارة الطاقة الأمريكية بواقع 40 مليون برميل.

ومع ذلك، يجمع المحللون في مؤسسة "إنرجي أسبكتس"  على أن هذه الكميات تمثل مسكنات مؤقتة، متوقعين أن تكتفي الصين بحصص تصديرية متدنية لا تتجاوز 1.2 مليون طن شهرياً في الربع الأخير من العام، ما يضع العالم أمام حقيقة جديدة تفيد بأن أسعار الوقود لم تعد تخضع لقوانين العرض والطلب الحرة، بل تدار مباشرة من الغرف السياسية المغلقة وعقائد الأمن القومي.