الجمعة 9 أكتوبر 2026 / 20:43

مأزق الفيدرالي بين الفائدة والدين.. الاقتصاد الأمريكي في مهب التضخم

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية منعطفاً اقتصادياً معقداً يضع السياسات المالية والنقدية على محك المواجهة المباشرة، فبينما يصر قادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على ضرورة مواصلة تشديد السياسة النقدية لكبح جماح التضخم المستعصي، تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن الكونغرس عن قفزة في عجز الموازنة العامة، ما يهدد بتأجيج الضغوط على أسواق السندات والذهب والدولار، ويعزز التباين بين الجانبين من مخاوف المؤسسات المالية الدولية حول استدامة النمو الاقتصادي ويخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية.

معضلة الفائدة

في أحدث المؤشرات على التوجهات النقدية، تباينت نبرة أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي بين الحسم والمرونة، لكن الهدف ظل واحداً وهو إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2%، إذ صرح ألبيرتو موساليم، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، بعبارات واضحة تشير إلى ضرورة رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر الستة إلى التسعة المقبلة.

وأكد موساليم، أن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من تشديد السياسة النقدية لضمان الهبوط الآمن بمعدلات التضخم. ويرى أن الأوضاع المالية السائدة في الأسواق لا تزال تتيح مساحة للاقتصاد للنمو، ما يعني أن التشديد لن يتسبب في ركود حاد.

في المقابل، قدم عضو مجلس المحافظين، كريستوفر والر، مقاربة أكثر مرونة بشأن وتيرة الرفع. وأشار إلى أن الحاجة لزيادة الفائدة تظل قائمة إذا جاءت البيانات الاقتصادية متوافقة مع التوقعات، لكنه استدرك قائلاً إن "ليس من الضروري أن تأتي الزيادات الإضافية في اجتماعات متتالية".

وعزا والر استمرار الضغوط التضخمية إلى عوامل هيكلية مستجدة وصدمات مستمرة، أبرزها التوسع الضخم في قطاع الذكاء الاصطناعي، وما يتطلبه من استثمارات رأسمالية هائلة وطلب مرتفع على الطاقة والموارد، بجانب صدمة الطاقة المستمرة، التي تفرض ضغوطاً متواصلة على سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج.

ورغم هذه التحديات يتوقع  ظهور ملامح تحسن اقتصادي ملموس في النصف الثاني من 2026، مدعوماً بمرونة الإنفاق المحلي.

سوق العمل

تجددت قوة الاقتصاد الأمريكي عبر بوابة سوق العمل، إذ أظهرت البيانات الأسبوعية الصادرة عن وزارة العمل انخفاضاً غير متوقع في معدلات طلبات إعانة البطالة، وجاءت الأرقام الرسمية لتسجل 197 ألف طلب مقارنة بالمعدل السابق البالغ 199 ألف طلب مقابل التقديرات التي كانت تشير إلى 200 ألف طلب.

ويعكس تراجع طلبات إعانة البطالة ، التي استقرت دون مستوى الـ 200 ألف لعدة أسابيع متتالية، حالة من التوظيف الكامل والمرونة العالية في مواجهة أسعار الفائدة المرتفعة.

ومن منظور مالي، فإن انخفاض طلبات الإعانة يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي الضوء الأخضر والمساحة الكافية للمضي قدماً في خططه التقييدية دون الخوف من انهيار مفاجئ في سوق الوظائف.

جرح الموازنة النازف

بينما يحاول البنك المركزي سحب السيولة عبر الفائدة، تسير السياسة المالية للحكومة في الاتجاه المعاكس، كشف تقرير مكتب الموازنة بالكونغرس أن عجز الموازنة الأمريكية ارتفع بنحو 218 مليار دولار، أي ما يعادل 12% ، ليلامس حاجز الـ2 تريليون دولار للفترة المالية المنقضية.

وتعود أسباب  الاتساع الحاد في الفجوة المالية إلى تصاعد الإنفاق الحكومي العام، لا سيما البرامج الإلزامية مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، بالإضافة إلى مدفوعات الفائدة القياسية التي تجاوزت عتبة 1.1 تريليون دولار لأول مرة لتصبح ثاني أكبر بند في الموازنة بعد الضمان الاجتماعي، واستردادات الرسوم الجمركية والضرائب التي فرضتها التعديلات القانونية الأخيرة.

ولا يكمن  الخطر الحقيقي في الحجم الاسمي للدين العام وحده، بل في تكلفة تمويل هذا الدين، فارتفاع أسعار الفائدة بالتزامن مع تزايد الاقتراض الحكومي يهدد بإدخال المالية العامة في دوامة دين، إذ تلتهم فوائد الديون جزءاً متزايداً من الإيرادات، ما يضطر الدولة للاقتراض مجدداً لمجرد سداد الفوائد.

مخاطر السندات

تحذر مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي وخبراء وول ستريت، من التداعيات العميقة  للتناقض بين السياستين النقدية والمالية، فمن جهة يرفع الفيدرالي الفائدة لخفض الطلب، ومن جهة أخرى يضخ الإنفاق الحكومي سيولة إضافية تغذي التضخم وتجعل مسار السيطرة عليه أطول وأكثر كلفة.

وانعكست هذه التطورات مباشرة على الأسواق عبر عدة محاور أهمها الضغط على السندات الأمريكية، إذ أدى تزايد إصدارات أدوات الدين الحكومية إلى إغراق السوق، ما دفع بعائدات السندات طويلة الأجل مثل سندات العشر سنوات إلى الارتفاع، ومع انخفاض أسعار السندات تزداد تكلفة الاقتراض على القطاع الخاص والرهون العقارية.

كما أعادت الأسواق تسعير العقود الآجلة لتوقعات أسعار الفائدة، حيث تشير التقديرات الحالية إلى احتمالية تصل إلى 85% لقيام الفيدرالي برفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس بحلول نهاية العام، مع استمرار التشديد في الربع الأول من 2027.

وفي ذات الوقت يتلقى الدولار دعماً ثنائياً من الفائدة المرتفعة وبيانات التوظيف القوية، بينما يتحرك الذهب في نطاق متذبذب، فبينما يضغط ارتفاع عوائد السندات على مبيعات المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، فإن المخاوف من عدم استدامة الدين الأمريكي والتضخم الهيكلي تدفع الصناديق الاستثمارية للتمسك به كملاذ آمن طويل الأجل.

سباق مع الزمن 

يظهر المشهد الاقتصادي الأمريكي في الربع الأخير من عام 2026 كأنه سباق مع الزمن، فبينما تظهر المؤشرات الحقيقية مثل سوق العمل مرونة صلبة، يظل التهديد المالي المتمثل في الموازنة المتآكلة عقبة رئيسية قد تحد من قدرة المركزي على المناورة، مما يجعل استقرار الاقتصاد العالمي بأسره رهناً بكيفية إدارة واشنطن لملف ديونها السيادية وتكاليف تمويلها.