جانب من الاحتجاجات الفرنسية (أ ف ب)
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 / 19:54
يبدأ البرلمان الفرنسي، اليوم الثلاثاء، مناقشة بند الإيرادات من ميزانية 2027، وسط مشهد سياسي واقتصادي مشحون بالتحديات والتعقيدات المالية.
ويُواجه المشرعون الفرنسيون آفاقاً مالية شاقة تضع البلاد على مفترق طرق حرج، حيث أدت سنوات من الارتفاع المتواصل في الإنفاق الحكومي والدين العام إلى وضع المالية العامة تحت ضغوط غير مسبوقة.
وتأتي هذه الجلسة البرلمانية في الوقت الذي سجلت فيه فرنسا خلال 2025 عجزاً في الموازنة بلغ 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما قفز حجم الدين العام ليتجاوز 115.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

ووضعت هذه الأرقام المقلقة باريس تحت طائلة ضغوط متزايدة من الأسواق الدولية والمؤسسات المالية لفرض إجراءات تقشفية وتجميع الموارد المالية للحفاظ على استقرارها الاقتصادي، وفق تقرير لشبكة "سي إن بي سي نيوز".
الشارع الفرنسي يغلي
لا تقتصر الأزمة الفرنسية على أرقام الموازنة وجداول البيانات المالية، بل امتدت شرارتها إلى الشارع، وأدى غضب المواطنين والطلاب من نقص التمويل المزمن في الخدمات العامة، ولا سيما قطاع التعليم، إلى موجة عارمة من الاحتجاجات والتظاهرات الطلابية الحادة.
وتضع هذه الاحتجاجات المشرعين الفرنسيين أمام معادلة صعبة؛ إذ يتوجب عليهم الموازنة بين مطالب الشارع الحاضرة بقوة وخيارات الإنفاق الصارمة، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2027. إذ يخشى العديد من السياسيين أن تؤدي قرارات ضبط الميزانية وتقليص الدعم إلى دفع ضريبة سياسية باهظة في الاقتراع الرئاسي المقبل.
ووفقاً للعديد من مراقبي ومحللي الأسواق، فإن ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو يتجه بخطى حثيثة نحو أزمة ديون سيادية ربما تجر القارة الأوروبية بأكملها معها إلى الهاوية، ما لم تتمكن باريس من خفض عجزها القومي بشكل مستدام وفي أسرع وقت.
وعلى مدار قرابة عقد من الزمان تحت قيادة الرئيس إيمانويل ماكرون، سجلت فرنسا واحدة من أعلى نسب العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي.

ويعود هذا العجز الهيكلي إلى ارتفاع الإنفاق الاجتماعي حيث يظل الإنفاق الحكومي أعلى بكثير من نظرائه الأوروبيين في المجالات الحساسة سياسياً، مثل نظام المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية.
وأظهر البرلمانيون تردداً واضحاً في التوصل إلى تسويات سياسية تسهم في خفض الإنفاق الحكومي، ما أدى إلى انعدام اليقين الاقتصادي والسياسي الذي بدأ يلقي بظلاله السلبية على قيمة عملة اليورو.
ذعر أسواق السندات
وردت أسواق السندات بقوة على تقاعس فرنسا عن فرض سياسات الانضباط المالي؛ حيث ارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي الفرنسي إلى أعلى مستوياتها في نحو ربع قرن. ونتيجة لذلك، اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية ونظيراتها الألمانية.
وهذا التباين الحاد أثار تساؤلات ومخاوف جدية حول إمكانية تدخل البنك المركزي الأوروبي في الأسواق لتثبيت مستويات السندات الفرنسية.
ورغم أن تدخل البنك ربما يوقف موجة الذعر ويرسخ استقرار المنطقة، إلا أن خطوة كهذه تعتبر مكلفة للغاية ومثيرة للجدل السياسي.
كما أن تداعيات وأصداء أزمة الديون السيادية الأوروبية السابقة التي عصفت باقتصادات دول مثل: اليونان، إيرلندا، البرتغال، إسبانيا وإيطاليا، تؤكد أن التدخل الأوروبي يتطلب أولاً إجراءات تصحيحية جذرية من باريس نفسها.
وفي هذا السياق، يقول أنطونيو فاتاس، أستاذ الاقتصاد في كلية إنسياد: "لن يتدخل البنك المركزي الأوروبي لمجرد إنقاذ فرنسا، إذا نشأت أزمة أوروبية شاملة، سيتدخلون بصورة أو بأخرى، ولكنهم لن يهرعوا لإنقاذ دولة غير قادرة على إنقاذ نفسها".