تمرير كابل إنترنت عبر البحر (أ ف ب)
الخميس 22 أكتوبر 2026 / 14:26
بعد أن ارتبط اسمه طويلاً بالنفط وطرق التجارة البرية، يسعى العراق إلى إعادة تعريف موقعه الجغرافي كممر رقمي يربط الخليج وآسيا بأوروبا، مستفيداً من أزمات الممرات البحرية التي كشفت هشاشة الطرق التقليدية لنقل البيانات، ومن طفرة الذكاء الاصطناعي التي ترفع الطلب على الاتصال إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي أحدث خطوة على هذا الطريق، وقّعت شركة "أريد لشبكات الألياف"، ذراع الاتصالات الدولية لمجموعة "أريد" القطرية، اتفاقية مع شركة "آي كيو نتوركس" العراقية لشراء عدة أزواج من الألياف الضوئية المظلمة، لنقل البيانات عبر الأراضي العراقية باتجاه تركيا وأوروبا، وفقاً لوكالة الأنباء القطرية "قنا".
هندسة الممر الرقمي
ما الألياف المظلمة؟ هي ألياف ضوئية ممدودة لكنها غير مفعلة، أي لا تمر عبرها بيانات بعد. وتكمن أهمية شرائها في أن المشتري يركب معداته الخاصة لتشغيلها، فيتحكم بشكل كامل في سعاتها وطريقة إدارتها وتطويرها، دون الاعتماد على معدات المورد أو قيوده. ويمنح هذا النموذج مشغلي الاتصالات وشركات التكنولوجيا الكبرى مرونة في توسيع سعاتهم وفق احتياجاتهم.

الربط البحري البري: يقوم الممر على مكونين متكاملين. الأول بحري، وهو نظام الكابل "فايبر إن غلف"، الذي تصفه "أريد" بأنه أكبر نظام كابلات بحرية يُبنى في منطقة الخليج، بسعة تصل إلى 720 تيرابت في الثانية عبر 24 زوجاً من الألياف، ويربط قطر وعُمان والإمارات والبحرين والسعودية والكويت والعراق في حلقة واحدة.
والثاني بري، إذ تتصل نقطة إنزال الكابل على السواحل العراقية بشبكة ألياف تمتد شمالاً حتى الحدود التركية، ومنها إلى أوروبا. ووقّعت "أريد" في مارس (آذار) 2025 اتفاقية مع الشركة العامة للاتصالات والبريد العراقية لإنزال الكابل في العراق.
ولا تبدأ "آي كيو نتوركس" من الصفر، إذ تقول الشركة إنها تشغل نحو 12 ألف كيلومتر من الألياف الضوئية في العراق، بحسب موقع "داتا سنتر دايناميكس" المتخصص.
تجاوز اختناق البحر الأحمر
الاعتماد على مسار واحد: تمر معظم حركة الإنترنت بين آسيا والخليج من جهة وأوروبا من جهة أخرى عبر كابلات بحرية تعبر البحر الأحمر، ثم الأراضي المصرية براً، وصولاً إلى البحر المتوسط.
ويحمل هذا التركيز مخاطر كشفتها الأزمات المتتالية. ففي فبراير (شباط) 2024، تضررت 4 كابلات من أصل أكثر من 15 كابلاً تعبر البحر الأحمر، ما أجبر مزودي الخدمة على إعادة توجيه ما يصل إلى ربع حركة البيانات بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وفقاً لشبكة "سي إن إن". وتكررت الحوادث في سبتمبر (أيلول) 2025، حين انقطعت عدة كابلات رئيسية، ما اضطر "مايكروسوفت" إلى إعادة توجيه حركة خدماتها السحابية.
العراق بديل أقصر وأسرع: يقدم المسار العراقي بديلاً برياً يقلل مخاطر انقطاع الكابلات البحرية، ويختصر زمن انتقال البيانات. فبحسب موقع "ريست أوف وورلد"، المتخصص في التكنولوجيا، تستغرق البيانات المنقولة بحراً من الخليج إلى أوروبا نحو 150 جزءاً من الثانية، بينما يخفضها المسار البري العراقي إلى نحو 70 جزءاً من الثانية، وفقاً لتقديرات "آي كيو نتوركس"، أي أقل من النصف تقريباً.
ويعود ذلك إلى أن العبور البري من جنوب العراق إلى تركيا يمثل أقصر طريق بين الخليج وأوروبا، مقارنة بالرحلة البحرية التي تلتف حول شبه الجزيرة العربية عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.
الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب
طفرة مراكز البيانات في الخليج: يأتي الممر في توقيت تشهد فيه المنطقة سباقاً على بناء مراكز البيانات. ففي الإمارات، يجري بناء مشروع "ستارغيت الإمارات"، وهو مجمع للحوسبة بقدرة غيغاواط واحد، تطوره "جي 42" بالشراكة مع "أوبن إيه آي" و"أوراكل" و"إنفيديا" و"سيسكو" و"سوفت بنك"، على أن تدخل أول 200 ميغاواط منه الخدمة في 2026، ضمن مجمع أوسع بقدرة 5 غيغاواط، وفقاً لوكالة أنباء الإمارات "وام".
وتحتاج هذه المراكز، ومراكز شركات الحوسبة السحابية الكبرى في المنطقة، إلى سعات نقل هائلة وزمن استجابة منخفض لربطها بأوروبا، وهو ما يستهدفه الممر بشكل مباشر. فبحسب "قنا"، صُمم المشروع لتلبية الطلب المتزايد من مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات وشركات الاتصالات.
اختبار عملي في زمن الحرب: لم يعد المسار العراقي مجرد فكرة. فبحسب "ريست أوف وورلد"، تستخدم شركات أمريكية كبرى تشغل مراكز بيانات في الخليج شبكة "آي كيو نتوركس" لنقل البيانات خارج منطقة الحرب، عبر ألياف ضوئية مُدت بمحاذاة أنابيب النفط العراقية، وتعمل منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 كمسار احتياطي في حال تعطل الكابلات البحرية.
العراق مركزاً للعبور الرقمي
من نقطة وصول إلى ممر عبور: يمثل المشروع تحولاً في دور العراق، من مجرد سوق تستقبل خدمات الإنترنت إلى مركز عبور إقليمي ودولي يربط القارات، ويحول موقعه الجغرافي إلى مصدر دخل.
حوافز لجذب السعات: وتتحرك الحكومة العراقية لتعزيز هذا الدور. فبحسب بيان لوزارة الاتصالات العراقية، وجّه الوزير مصطفى جبار سند بخفض رسوم تمرير سعات الإنترنت عبر العراق بنسبة 40%، وتلقى العراق خلال يوم واحد من الإعلان عروضاً رسمية من دولتين خليجيتين لتمرير سعاتهما الرقمية إلى أوروبا عبر بنيته التحتية.
كما أعلنت الوزارة أن نسبة الإنجاز في مشروع إنزال كابل "إس تي سي" السعودي بلغت نحو 50%، إلى جانب اتفاقيات مماثلة مع "أريد" القطرية و"إي آند" الإماراتية لإنزال كابلات بحرية في العراق.
عوائد مباشرة وغير مباشرة: يفتح الممر الباب أمام عوائد مباشرة للحكومة من رسوم العبور والإنزال، وأخرى غير مباشرة عبر جذب الاستثمارات في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، وتعزيز دور شركات القطاع الخاص المحلية، مثل "آي كيو نتوركس"، إلى جانب الشركات الحكومية.
التحديات والآفاق
الموافقات التنظيمية: لا تزال الاتفاقية بين "أريد" و"آي كيو نتوركس" خاضعة للموافقات التنظيمية، بحسب "داتا سنتر دايناميكس"، فيما لم يُعلن جدول زمني رسمي لتشغيل الممر المتكامل.

الأمن والاستقرار: يبقى نجاح الممر مرهوناً بالاستقرار الأمني والسياسي في العراق، وبقدرته على حماية خطوط الألياف البرية الممتدة لآلاف الكيلومترات، وضمان الأمن السيبراني لحركة البيانات العابرة للحدود. ويضاف إلى ذلك أن الكابل البحري المغذي للممر يمر بدوره عبر مياه الخليج ومضيق هرمز، الذي تشهد الملاحة فيه اضطرابات منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية.
المنافسة: يدخل العراق سوقاً يهيمن عليها المسار المصري منذ عقود، ما يتطلب منه تقديم ميزة تنافسية مستدامة في الكلفة والموثوقية، لا في السرعة فحسب.
وبالنهاية، يملك العراق ما لا تملكه دول كثيرة: موقعاً يجعله أقصر جسر بري بين الخليج وأوروبا. ومع تكرار أزمات البحر الأحمر وتسارع الطلب على البيانات بفعل الذكاء الاصطناعي، تبدو الفرصة متاحة أمامه ليصبح ممراً رقمياً بديلاً. لكن تحويل الجغرافيا إلى نفوذ رقمي يتطلب أكثر من الكابلات، إذ يحتاج إلى بيئة تنظيمية وأمنية مستقرة تطمئن الشركات العالمية إلى أن بياناتها ستعبر بأمان.