مركز اقتراع بمدينة ناشفيل بولاية تينيسي الأمريكية (رويترز)
الجمعة 23 أكتوبر 2026 / 12:18
تتجه أنظار الأوساط السياسية والمالية العالمية نحو العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث يفصل الناخبين أسبوعان فقط عن توجههم إلى صناديق الاقتراع في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) لإجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وتأتي الانتخابات في وقت تتصاعد فيه مخاوف الشارع الأمريكي من استمرار معضلة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. وتحمل الجولة الانتخابية أهمية استثنائية، كونها لا تحدد فقط موازين القوى في "الكابيتول هيل"، بل ترسم ملامح النصف الثاني من الولاية الرئاسية لدونالد ترامب، وتضع الأسواق المالية أمام سيناريوهات متباينة تعيد هندسة السياسات النقدية والمالية لأكبر اقتصاد في العالم.
تقف الولايات المتحدة أمام مشهد سياسي شديد الاستقطاب، حيث تمثل الانتخابات الحالية فرصة حاسمة للديمقراطيين الساعين لانتزاع الأغلبية من الحزب الجمهوري، بهدف فرض رقابة صارمة على السلطة التنفيذية وتقييد قدرة الرئيس دونالد ترامب على تمرير مبادراته التشريعية الكبرى. وفي المقابل، يسعى الجمهوريون للسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ لضمان مساحة مناورة أوسع تتيح لهم تنفيذ الأجندة المحافظة بسلاسة، لاسيما فيما يتعلق بالتعيينات القضائية، الميزانيات، وتمديد التخفيضات الضريبية.
العقارات الأمريكية في مأزق.. الفائدة تطرد المشترين وتضغط على شركات البناء - موقع 24تراجع بناء المساكن المخصصة لأسرة واحدة في الولايات المتحدة بنسبة %4.6 خلال سبتمبر (أيلول) 2026، مع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض وأسعار المنازل، في وقت هبطت فيه تصاريح البناء إلى أدنى مستوياتها منذ مارس (آذار) 2023، ما يعكس الضغوط المتزايدة على قطاع الإسكان الأمريكي، وفقاً لبيانات وزارة التجارة ...
الملفات الاقتصادية
تحدد نتائج الاقتراع بشكل مباشر شكل المواجهة السياسية في واشنطن، ما يجعلها بمثابة استفتاء حقيقي على التوجهات الاقتصادية والسياسية للإدارة الحالية. وتجمع استطلاعات الرأي على أن الملفات الاقتصادية هي ساحة المواجهة الكبرى التي ستحدد هوية الفائز.
وعلى الرغم من محاولات الإدارة إبراز مرونة مؤشرات النمو العام، يركز الناخبون على الضغوط اليومية المباشرة المتمثلة في أسعار الوقود والطاقة التي تنعكس فوراً على تكلفة السلع الأساسية وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى أزمة السكن والإيجارات، إذ تسببت مستويات الفائدة المرتفعة في تقييد المعروض العقاري وزيادة كلفة التمويل العقاري، وتآكل القوة الشرائية، ما أفرز تراجعاً ملحوظاً في مؤشرات ثقة المستهلك، الأمر الذي يشكل ضغطاً سياسياً كبيراً على الحزب الجمهوري الحاكم.
ترقب الأسواق
تبدي أسواق المال العالمية، ولاسيما بورصة "وول ستريت"، ترقباً حذراً لنتائج الصناديق. وفي هذا السياق، تطرح كبرى المؤسسات الاستثمارية الدولية قراءات متعمقة ومبنية على أرقام تاريخية وتحليلات هيكلية.
ففي تقريره التحليلي الأخير، أشار بنك "مورغان ستانلي" إلى أن القدرة على تحمل التكاليف تمثل القضية الحاسمة في هذه الجولة، لافتاً إلى أن استمرار الضغوط السعرية وضعف معنويات المستهلكين يخلقان بيئة تحدٍ صعبة للجمهوريين.
ويرى محللو البنك أن سيناريو "الحكومة المنقسمة"، أي فوز الديمقراطيين بأحد المجلسين أو كلاهما، يمثل الخيار الأفضل للأسواق، لأنه يحد من التغييرات التشريعية الجسيمة ويقلل من مخاطر الاضطرابات الكبرى في السياسات العامة. لكنهم حذروا في الوقت ذاته من أنه حال كسب الديمقراطيين مزيداً من السيطرة، فإن قطاعات محددة مثل التكنولوجيا الحيوية وشركات الطاقة التقليدية ستواجه تدقيقاً سياسياً وتنظيمياً صارماً.
إنفوغراف 24.. وعود ترامب تتبخر بأرقام اقتصادية صادمة قبل الانتخابات - موقع 24وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عند عودته إلى البيت الأبيض، بـ"عصر ذهبي" للاقتصاد، وبنزين بأقل من دولارين للغالون، وحدود جنوبية "منيعة".
التوقعات المرتبطة بالضرائب
من جهتهم، يركز خبراء الاستراتيجية في بنك "غولدمان ساكس" على الجانب المالي الهيكلي، حيث تشير التقديرات إلى أن الاحتفاظ الجمهوري بالكونغرس سيمهد الطريق لتمرير حزم إنفاق ومواصلة السياسات التجارية الحمائية والرسوم الجمركية، ما يدعم عوائد السندات قصيرة الأجل ويرفع من توقعات التضخم. أما في حال حدوث انقسام تشريعي، فتتجه الأسواق بسرعة نحو تسعير جمود سياسي يعقد المفاوضات القادمة بشأن سقف الدين والميزانية الفيدرالية.
تتحرك الأسواق بناءً على التوقعات المرتبطة بالضرائب، والإنفاق الحكومي، والسياسة التجارية المتبعة. وفي حال فوز الجمهوريين بالسيطرة الكاملة، يُتوقع دعم أسهم قطاعات الطاقة التقليدية والدفاع والبنوك بفضل توقعات خفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية، مع تحقيق مكاسب محتملة للدولار الأمريكي مدفوعة بسياسات تجارية حمائية ورسوم جمركية تضطر الفيدرالي لإبقاء الفائدة مرتفعة لمواجهة التضخم، بينما يتعرض الذهب لضغوط إذا ارتفعت عوائد السندات الأمريكية وقيمة الدولار بفعل السياسات التضخمية.
أما في حال فوز الديمقراطيين وحدوث حكومة منقسمة، تشهد الأسهم تقلبات أولية تليها حالة استقرار نتيجة غياب القوانين الراديكالية، وتتعرض العملة الأمريكية لضغوط هبوطية نسبية نتيجة توقعات بإنفاق مالي أكثر تحفظاً ومفاوضات ميزانية معقدة، بينما يستفيد الذهب كملاذ آمن نتيجة تصاعد حالة عدم اليقين السياسي ومخاطر الجمود التشريعي.
أسواق الأسهم
تُظهر البيانات الصادرة عن مؤسسة "إس أند بي داو جونز" نمطاً إيجابياً لأسواق الأسهم في الفترات التي تلي انتخابات التجديد النصفي. فمنذ عام 1946، سجل مؤشر "إس أند بي 500" ارتفاعاً في 17 عاماً من أصل 20 عاماً أعقبت انتخابات التجديد النصفي. وتدعم البيانات الممتدة منذ عام 1950 تحقيق المؤشر مكاسب بمعدل 16.6% في غضون 12 شهراً التي تلي يوم الاقتراع بناءً على عينة تشمل 19 حالة تاريخية.
ويعزو المحللون هذا السلوك إلى انقشاع ضبابية المشهد السياسي، فالأسواق تكره عدم اليقين، وبمجرد ظهور النتائج ووضوح القوى التشريعية، تعود الصناديق الاستثمارية لتركيز اهتمامها على العوامل الأساسية للشركات ودورة الأعمال الاقتصادية.
الضوضاء الانتخابية
على الرغم من الزخم الإعلامي والسياسي الكبير المصاحب للحدث، تجمع المؤسسات الدولية مثل "مورغان ستانلي" على ضرورة عدم إفراط المستثمرين في ردود الفعل تجاه الضوضاء الانتخابية. فالانتخابات ترسم الإطار العام، لكن الاتجاهات العميقة للأسواق تظل محكومة بمحاور أساسية، أولها قرارات الاحتياطي الفيدرالي إذ تظل حركة أسعار الفائدة ومسار البنك المركزي الأمريكي في كبح التضخم دون السقوط في الركود الموجه الأول والأساسي لأسواق السندات والأسهم.

وثاني هذه المحاور هو أرباح الشركات ومعدلات النمو، حيث تتزامن الانتخابات مع إعلان نتائج الربع الثالث لعام 2026. وتشير بيانات مؤسسة "فاكت ست" إلى توقعات بنمو أرباح شركات مؤشر "إس أند بي 500" بما يتجاوز 25% للربع الثالث على التوالي، وهو ما يمثل ركيزة دعم صلبة لأسواق المال تتفوق على المتغيرات السياسية العابرة.
وثالث المحاور يتمثل في التطورات الجيوسياسية والاستثمار الهيكلي، حيث تواصل قضايا مثل الصراعات التجارية الدولية وتدفق الاستثمارات الضخمة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي فرض إيقاعها الخاص على حركة رؤوس الأموال العالمية.
اختبار حقيقي
تضع انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) الإدارة الأمريكية الحالية أمام اختبار حقيقي، فإما تجديد الثقة بالسيطرة الكاملة للجمهوريين لتسريع وتيرة الأجندة الاقتصادية المقترحة، أو العودة إلى صيغة التوازن القسري عبر كونغرس منقسم يعيد الديمقراطيين فيه صياغة القرارات المالية والتشريعية.
وبين هذا وذاك، ستبقى الأسواق تدير مخاطرها بناءً على الأرقام الصادرة من الاحتياطي الفيدرالي ومكاتب الإحصاءات العمالية، واضعةً في الحسبان أن السياسة قد تصنع التقلبات، لكن الاقتصاد الأساسي هو من يصنع الاتجاه.