(رويترز)
الجمعة 23 أكتوبر 2026 / 14:44
تقتطع الدولة جزءاً من راتبك كل شهر، وتساهم هذه الأموال، إلى جانب ضرائب الشركات والاستهلاك والاشتراكات الاجتماعية، في تمويل الخدمات العامة والحماية الاجتماعية، وتعتمد دول عديدة حول العالم على هذا التمويل، فيما يعد نموذج دولة الرفاه الأوروبية من أبرز تجاربه التي تواجه اليوم ضغوطاً لتمويل التزاماتها مما يطرح تساؤلات حول الخلل الذي قد يصيب هذه المنظومة لا سيما في التوازن بين الموارد والنفقات، وخيارات الإصلاح وتوزيع كلفته.
بين الديون والدفاع والخدمات.. أوروبا تعيد ترتيب أولويات الإنفاق
وتوضح الدكتورة نور الشماع، الأستاذة المساعدة في جامعة غوتنبرغ ومديرة برامج في التعليم التنفيذي بكلية ستوكهولم للاقتصاد، أن نظام الرفاه يقوم على توقع السكان الحصول على خدمات أساسية مقابل الضرائب التي يدفعونها، تشمل التعليم والصحة، وإعانات البطالة والمرض، وخدمات المتقاعدين، وهو ما تصفه بأنه "العقد الاجتماعي" بين السكان والحكومة.
وتتجاوز هذه العلاقة حصول كل فرد على خدمات بقيمة مساهمته، فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توضح أن المنافع الحكومية لا توزع عادة بالتناسب مع الضرائب المسددة. وهكذا يساهم النظام في تمويل احتياجات الأفراد عند تعطل دخلهم أو ارتفاع حاجتهم إلى الرعاية.
وتختلف آليات التمويل بين الدول، فالدنمارك تعتمد تقريباً بالكامل على الإيرادات العامة لتمويل حمايتها الاجتماعية العامة، بينما تجمع فرنسا وألمانيا بين التأمينات القائمة على الاشتراكات، والمساعدات المرتبطة بالدخل، والمنافع العامة للأطفال، وفق المنظمة.
المفوضية الأوروبية لـ 24: دعم الأسر "مشروط" بضوابط الإنفاق - موقع 24تضع احتجاجات الغلاء وتردي الخدمات حكومات أوروبية أمام معادلة صعبة تتمثل في الاستجابة لمطالب تستلزم إنفاقاً إضافياً، والحفاظ على استدامة المالية العامة. وبين ضغط الشارع وأعباء الدين، يتجاوز النقاش حجم المساعدات إلى مصادر تمويلها، وتوزيع كلفتها، وقدرتها على معالجة أسباب الأزمة.
حين تتجاوز الالتزامات الموارد
ورغم اختلاف الآليات، تبقى الحاجة إلى موازنة الإيرادات والنفقات مشتركة، وتشرح الشماع أن الدولة تستخدم مواردها لتمويل التعليم والصحة والخدمات والإعانات والمعاشات، وعندما تقل الإيرادات عن النفقات ينشأ عجز قد تلجأ إلى الاقتراض لتغطيته.
وخلال كورونا، تعرض جانبا الموازنة للضغط في الوقت نفسه، إذ تراجع النشاط الاقتصادي والإيرادات الضريبية، بينما ازدادت الحاجة إلى دعم الأسر والأشخاص الذين توقفوا عن العمل، ما دفع حكومات أوروبية إلى زيادة الاقتراض، بحسب الشماع.
وبعد الجائحة، استمرت أعباء المديونية، لتصبح فوائدها التزاماً إضافياً إلى جانب الخدمات. ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد الضغوط لرفع الإنفاق الدفاعي، وفق الشماع، وتضيف مطالب جديدة إلى الموارد نفسها.
والتزمت دول الناتو بتخصيص 5% من الناتج المحلي للدفاع والأمن بحلول 2035، منها 3.5% على الأقل للاحتياجات الدفاعية الأساسية، وما يصل إلى 1.5% لمجالات أمنية أوسع.
ضغوط متفاوتة داخل أوروبا
وتظهر الأرقام اختلاف الأوضاع المالية للحكومات، إذ بلغ الدين العام عام 2025 نحو 137.1% من الناتج في إيطاليا و115.6% في فرنسا، مقابل 35.1% في السويد و27.9% في الدنمارك، وفق بيانات يوروستات المنشورة في أبريل(نيسان) 2026.
وفي المقابل، ترتبط الحماية الاجتماعية بنفقات مستمرة، إذ بلغت منافعها في الاتحاد الأوروبي نحو 4.9 تريليونات يورو عام 2024، تعادل 27.3% من الناتج، واستحوذت الشيخوخة والمرض والرعاية الصحية على أكثر من 70% منها، بحسب تقديرات أولية ليوروستات.
وتقول الشماع إن ارتفاع الدين يحد من هامش الاقتراض لتمويل زيادات الإنفاق، بينما تواجه الحكومات مطالب بتحسين الخدمات الأساسية، بالتزامن مع التزاماتها الجديدة.
فنلندا نموذجاً لكلفة الإصلاح
وتوضح الخبيرة الاقتصادية سمر عادل أن اختيار أداة الإصلاح يحدد من يتحمل كلفته، مستشهدة بفنلندا التي رفعت المعدل العام لضريبة القيمة المضافة من 24% إلى 25.5% في سبتمبر (أيلول) 2024، ضمن إجراءات ضبط المالية العامة. وبافتراض ثبات السعر قبل الضريبة، أصبحت سلعة قيمتها 100 يورو تكلف المستهلك 125.5 يورو بدلاً من 124 يورو، ما يوضح كيف تنعكس زيادة الضريبة على كلفة الشراء.
الاحتجاجات تضرب بورصة باريس وتكبدها أكبر الخسائر الأوروبية - موقع 24تكبدت الأسهم الفرنسية الخسائر الأكبر في الأسواق الأوروبية، الإثنين، لتعتلي قائمة المتراجعين عقب موجة من أعمال العنف والاحتجاجات هي الأشد منذ سنوات، وسط حالة من الحذر تهيمن على المستثمرين، ترقباً لأسبوع حافل بإفصاحات الشركات.
وتشير عادل إلى أن اختلاف الضغوط بين الدول يرتبط أيضاً بتطور الالتزامات وقدرة الاقتصاد على تمويلها، ففي فنلندا، تربط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضغوط طويلة الأجل بشيخوخة السكان وزيادة الإنفاق على المعاشات والصحة والرعاية، بينما يؤخر ضعف الاقتصاد وسوق العمل المكاسب المتوقعة من إصلاحات التشغيل. ولذلك، فإن زيادة الإيرادات تحتاج إلى أن تقاس مقابل نمو النفقات، والمدة اللازمة لتحقيق عائد الإصلاحات.
إصلاح التحصيل وترتيب الإنفاق
ومن هذه المعادلة تنطلق الحلول التي تطرحها الشماع، مراجعة القوانين الضريبية، وتحسين التحصيل ومكافحة التهرب، وإعادة النظر في الإعفاءات الممنوحة لأصحاب الدخول المرتفعة، لزيادة موارد الخزانة.
لكن هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت، لذلك تقترح بالتوازي مساعدات مباشرة للأسر منخفضة الدخل، و "إعادة ترتيب الأولويات" بين مجالات الإنفاق لتلبية الاحتياجات العاجلة.
أما نقص الموارد في المدارس ومشكلات جودة التعليم، فتحتاج، وفق الشماع، إلى إصلاحات أطول مدى. وبذلك تجمع المعالجة بين زيادة الإيرادات، وتحديد أولويات استخدامها، وتوفير دعم سريع للفئات المحتاجة، مع استمرار إصلاح الخدمات التي يقوم عليها العقد الاجتماعي.