(رويترز)
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 / 10:43
تواجه الصناعات الأمريكية ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع كلفة الألمنيوم، بعدما فرض الرئيس دونالد ترامب رسوماً جمركية بنسبة %50 على معظم واردات المعدن، بما فيها الإمدادات الكندية، في وقت يصعب فيه تعويض الإنتاج القادم من كندا بسبب ارتفاع كلفة الكهرباء اللازمة لتشغيل المصاهر داخل الولايات المتحدة، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
وأدت الرسوم إلى زيادة العلاوة السعرية للألمنيوم في السوق الأمريكية مقارنة بالأسعار المرجعية العالمية، ما رفع تكاليف الإنتاج على قطاعات السيارات والطائرات والبناء والتعبئة والتغليف ومراكز البيانات، في مفارقة تعكس صعوبة تحقيق هدف الإدارة الأمريكية المتمثل في تعزيز الاكتفاء الصناعي المحلي، وفقاً للصحيفة.
شراكة صناعية منذ الحرب العالمية الثانية
تعود جذور اعتماد الولايات المتحدة على الألمنيوم الكندي إلى الحرب العالمية الثانية، عندما ساعدت واشنطن في توسيع قدرات إنتاج المعدن بمنطقة ساغوناي في مقاطعة كيبيك، لتلبية احتياجات الصناعات العسكرية، ولا سيما الطائرات والذخائر، بحسب "وول ستريت جورنال".
وشارك آلاف العمال الكنديين في بناء منشآت الصهر وتوليد الكهرباء الكهرومائية خلال نحو 18 شهراً، فيما أسهمت مدفوعات أمريكية مقدمة مقابل إمدادات الألمنيوم في تمويل التوسعات الصناعية، وفقاً للصحيفة.
وكانت شركة "ألكوا" الأمريكية وراء تطوير جانب مهم من تلك المنشآت، قبل فصل الأصول الكندية عن عملياتها الأمريكية في إطار إجراءات مكافحة الاحتكار، بينما تدير شركة التعدين العالمية "ريو تينتو" حالياً عدداً من المصاهر ومحطات الطاقة في المنطقة، بحسب "وول ستريت جورنال".
رسوم %50 تزيد تكلفة المعدن
رفعت إدارة ترامب الرسوم الجمركية على واردات الألمنيوم المشمولة من %10 إلى %25 في مارس (آذار) 2025، ثم إلى %50 اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) من العام نفسه، مع استثناءات لبعض المنتجات والمنشأ، وذلك بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة الأمريكي المرتبطة باعتبارات الأمن القومي، وفقاً للبيت الأبيض وهيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية.
وتسببت هذه الإجراءات في زيادة كلفة الألمنيوم المتداول داخل الولايات المتحدة، إذ ارتفعت علاوة الغرب الأوسط الأمريكي، وهي المبلغ الإضافي الذي يدفعه المشترون فوق السعر المرجعي العالمي للمعدن، ما انعكس على الشركات التي تستخدم الألمنيوم مدخلاً أساسياً للإنتاج، بحسب "وول ستريت جورنال" وبيانات شركة "ألكوا".
كندا مورد يصعب تعويضه
استحوذت كندا على نحو %70 من واردات الولايات المتحدة من الألمنيوم الأولي في 2024، بما يعادل نحو 2.9 مليون طن من إجمالي واردات بلغ 4.2 ملايين طن، قبل أن تتراجع حصتها إلى %60.5 خلال 2025، وفقاً لبيانات شركة "ألكوا" ومؤسسة "إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس".
وتستمد كندا ميزتها التنافسية من وفرة الطاقة الكهرومائية، التي توفر الكهرباء اللازمة لتشغيل مصاهر الألمنيوم بكلفة أقل نسبياً من كثير من المواقع الأمريكية، نظراً إلى الطبيعة كثيفة الاستهلاك للطاقة في عمليات الصهر، بحسب "وول ستريت جورنال".
وتنتج "ريو تينتو" أكثر من %90 من احتياجات عملياتها في ساغوناي من الكهرباء عبر منشآتها الكهرومائية الخاصة، فيما تواصل محطة "شيبشو"، التي بدأ تشغيلها عام 1943، توفير الطاقة للصناعة المحلية، وفقاً للصحيفة.
وقال جيروم بيكريس، المسؤول عن أنشطة الألمنيوم والليثيوم والأعمال الكندية لدى "ريو تينتو"، إن الشركة تصف الألمنيوم بأنه "كهرباء صلبة"، في إشارة إلى كثافة استهلاك الطاقة في إنتاجه، مؤكداً صعوبة العثور على مصدر كهرباء أمريكي يضاهي تنافسية الإمدادات المتاحة للشركة في كندا، بحسب "وول ستريت جورنال".
أربعة مصاهر أمريكية فقط
تراجعت قدرات الولايات المتحدة على إنتاج الألمنيوم الأولي خلال العقود الماضية، بعدما كانت من أبرز المنتجين عالمياً، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة الدولية وإغلاق عدد من المصاهر، بحسب "وول ستريت جورنال".
ولا يعمل في الولايات المتحدة سوى أربعة مصاهر للألمنيوم الأولي، مقارنة بنحو 24 مصهراً في عام 2000، ما يحد من قدرة الصناعة المحلية على تعويض الواردات سريعاً، وفقاً للصحيفة وبيانات شركة "ألكوا".
ورغم توسع الولايات المتحدة في إعادة تدوير الألمنيوم، فإن هذه العملية لا تعوض بالكامل الحاجة إلى المعدن الأولي، خصوصاً في التطبيقات التي تتطلب مواصفات دقيقة أو درجات نقاء محددة، بحسب "وول ستريت جورنال".
وتستهلك إعادة تدوير الألمنيوم نحو %5 من الطاقة اللازمة لإنتاج المعدن الأولي، ما يجعلها خياراً أقل استهلاكاً للكهرباء، لكنها تظل مرتبطة بتوافر الخردة المعدنية المناسبة ومتطلبات الجودة والاستخدام النهائي، وفقاً للصحيفة.
خلاف حول الدعم والمنافسة
تدافع شركات أمريكية منتجة للألمنيوم، بينها "سنتشري ألومنيوم"، عن الرسوم الجمركية باعتبارها وسيلة لحماية الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار في المصاهر الأمريكية، في حين يرى منتجون كنديون أن وفرة الكهرباء الكهرومائية تمنحهم ميزة تنافسية طبيعية.
وتثير هذه الخلافات اتهامات بشأن الدعم والإغراق التجاري، غير أن انخفاض كلفة الطاقة لا يكفي وحده لإثبات وجود ممارسة تجارية مخالفة، إذ يتطلب ذلك تحقيقات تستند إلى قواعد التجارة المعمول بها، وفقاً للمواقف التي استعرضتها الصحيفة.
وقال جان سيمار، رئيس جمعية الألمنيوم الكندية، إن "المنتجين الكنديين لا يجدون مصلحة في بيع المعدن بأقل من أسعار السوق"، معترضاً على التعامل مع كندا باعتبارها منافساً غير عادل رغم عمق العلاقات الصناعية والتجارية بين البلدين، بحسب "وول ستريت جورنال".
استثمارات كندية لتعزيز الإنتاج
بدأت شركة "ريو تينتو" تشغيل توسعة جديدة لمجمع "أرفيدا" في كيبيك، باستثمارات تبلغ 1.5 مليار دولار أمريكي، تتضمن إضافة 96 خلية صهر بتقنية "AP60" منخفضة الانبعاثات، وفقاً لبيان الشركة الصادر في مايو (أيار) 2026.
ومن المقرر أن ترفع التوسعة الطاقة الإنتاجية بنحو 160 ألف طن متري سنوياً، لتصل القدرة الإجمالية للمنشآت العاملة بالتقنية الجديدة إلى نحو 220 ألف طن سنوياً، مع استهداف استكمال تشغيل الخلايا الجديدة بنهاية 2026، بحسب "ريو تينتو".
وتعمل "ريو تينتو" و"ألكوا" أيضاً على تطوير تقنية صهر تستخدم أقطاباً خاملة بدلاً من الأقطاب الكربونية التقليدية، ضمن مشروع "إليسيس" الهادف إلى الحد من الانبعاثات المباشرة لثاني أكسيد الكربون الناتجة عن عملية الصهر، وفقاً للبيانات المنشورة من "ريو تينتو".
أوروبا تستقطب مزيداً من الألمنيوم الكندي
في ظل استمرار الرسوم الأمريكية، يتجه بعض منتجي الألمنيوم الكنديين إلى تنويع أسواق التصدير، مع تزايد جاذبية أوروبا بوصفها وجهة بديلة للإمدادات، بحسب "وول ستريت جورنال".
وارتفعت شحنات الألمنيوم الكندي إلى الأسواق الأوروبية بنسبة %77 خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفقاً لتقديرات "إس آند بي غلوبال إنرجي" التي نقلتها الصحيفة.
وقد تعزز آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية جاذبية الألمنيوم المنتج باستخدام الكهرباء منخفضة الانبعاثات، في حين قد يؤدي استمرار تحويل الإمدادات الكندية بعيداً عن السوق الأمريكية إلى زيادة الضغوط على الشركات الصناعية في الولايات المتحدة، وفقاً للتحليل الذي أوردته "وول ستريت جورنال".
الصناعة الأمريكية تدفع فاتورة الرسوم
تواجه الشركات الأمريكية المستخدمة للألمنيوم ارتفاعاً في تكاليف المدخلات الصناعية، ما يدفع بعضها إلى تحمل جزء من الزيادة أو تمريرها إلى المستهلكين، في حين يستفيد بعض المنتجين المحليين للمعدن الأولي من ارتفاع الأسعار داخل السوق الأمريكية، بحسب "وول ستريت جورنال".
وتكشف هذه التطورات عن تحدٍ هيكلي أمام السياسة التجارية الأمريكية، إذ إن حماية المصاهر المحلية بالرسوم لا تعني إمكانية زيادة الإنتاج فوراً، خصوصاً مع الحاجة إلى استثمارات ضخمة وإمدادات كهرباء مستقرة وتنافسية، وفقاً للصحيفة وبيانات شركة "ألكوا".
وبينما تسعى واشنطن إلى تقليص اعتمادها على الواردات، يظل الألمنيوم الكندي عنصراً مهماً في سلاسل الإمداد الأمريكية، بما يضع صناع القرار أمام معادلة صعبة بين تشجيع الإنتاج المحلي والحفاظ على تنافسية الصناعات التي تستهلك المعدن، بحسب "وول ستريت جورنال".