بائع يحمل ريالات إيرانية (رويترز)
بائع يحمل ريالات إيرانية (رويترز)
الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 / 18:47

دبلوماسية معطلة وعملة متهاوية.. الدولار يكسر حاجز 275 ألف تومان في إيران

سجلت أسواق الصرف الموازية (غير الرسمية) في العاصمة الإيرانية طهران، الثلاثاء، قفزة تاريخية جديدة في سعر صرف العملة الأمريكية، حيث ارتفع الدولار ليتجاوز حاجز 275 ألف تومان.

وتزامن التدهور القياسي وغير المسبوق في قيمة العملة الوطنية مع دخول المفاوضات الدبلوماسية الرامية لتخفيف حدة التوترات الإقليمية ورفع الحصار التجاري والبحري المفروض على الصادرات النفطية في "نفق مسدود" وتزايد حدة الضغوط العسكرية والاقتصادية.

ويعكس الانهيار المتسارع، الذي أفقد التومان جزءاً كبيراً  من قيمته الشرائية مقارنة بمستوياته في مطلع العام الجاري، حالة من الذعر والهلع المالي في أوساط المستثمرين والتجار والمواطنين على حد سواء، وبات الجميع يهرعون للتخلص من السيولة النقدية بالعملة المحلية للاحتماء بالأصول الآمنة كالذهب والعملات الرقمية المشفرة.

حصار مشدد

ويرى خبراء المال، أن الطفرة الأخيرة في سعر الدولار ليست مجرد تذبذب مؤقت، بل هي انعكاس مباشر للفشل الراهن في إحداث أي خرق دبلوماسي في المحادثات غير المباشرة المستمرة.

فبعد جولات من التفاؤل الحذر والوساطات الإقليمية الرامية لإعادة فتح الممرات المائية الحيوية، ومنها مضيق هرمز، اصطدمت الجهود بتمسك الأطراف بمواقفها المتصلبة. 
وتصر الإدارة الأمريكية على شروطها المتعلقة  بالملف النووي الإيراني ووقف دعم الجماعات المسلحة، يقابلها رفض من طهران وتلويح بتغيير عقيدتها النووية ما لم يتم رفع الحصار البحري بالكامل.

وتوافق  الانسداد الدبلوماسي  مع دخول حملة الضغوط القصوى الأمريكية  مرحلة شديدة  عبر ما يُعرف بـ"عملية المنبوذ الاقتصادي" التي أطلقتها وزارة الخزانة الأمريكية. 
ونجحت  العملية، المستمرة منذ أسابيع، في محاصرة الصادرات النفطية الإيرانية بشكل شبه كامل.

وتشير تقارير رسمية إلى أن تحميل النفط من جزيرة "خارك" (الشريان الرئيسي لتصدير الخام الإيراني) قد تراجع إلى مستويات تقترب من الصفر لأول مرة، مما حرم البنك المركزي الإيراني من أهم مصادره لتغذية السوق بالعملة الأجنبية.

مخاوف الذكاء الاصطناعي تهز الأسواق العالمية.. وانتخابات أمريكا تزيد الترقب - موقع 24تعرضت الأسهم العالمية لضغوط جديدة، الثلاثاء، بفعل تجدد المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في وقت يترقب فيه المستثمرون بحذر بدء التصويت في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المهمة.

ركود تضخمي

وأجمعت تقارير الصناديق والمؤسسات الاستثمارية والمالية الدولية على أن الاقتصاد الإيراني ينزلق نحو مرحلة حرجة من الركود التضخمي المقترن بانهيار مالي واقتصادي بنيوي طويل الأجل.

 وتشير التقديرات الصادرة عن "الخزانة الأمريكي"، إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه خطر الانكماش والتقلص بأكثر من 25% بحلول نهاية السنة المالية (مارس 2027).

ويعود ذلك بالأساس إلى التوقف المفاجئ لعوائد النفط، والنقص الحاد المتوقع في إمدادات الوقود والطاقة والغاز خلال فصل الشتاء.

ومن جهتها تؤكد التحليلات الاستثمارية الدولية مثل انتر اكاتف بروكر  ،أن "أزمة العملة" في إيران لم تعد مجرد اضطراب مالي، بل أصبحت تهديداً كلياً يضرب استقرار النظام بأكمله.

وتوضح هذه التقارير أن العقوبات المشددة والحصار البحري على إيران  كشفا تماماً الهشاشة الهيكلية للاقتصاد الذي يعاني أصلاً من عقود من سوء الإدارة الداخلية، والسياسات المالية التوسعية غير المدروسة، والاعتماد المطلق على عائدات النفط لتثبيت سعر الصرف دفترياً.

 170% تراجع

وتظهر البيانات التاريخية لأسعار الصرف المستقاة من منصات مثل "تريندز اوكينوميك بونباست"، أن التومان تراجع بنسبة تفوق 170% خلال فترة زمنية وجيزة، ويعزى ذلك لتبخر الثقة ومحاولات البنك المركزي الفاشلة لإدخال حزم إنقاذ طارئة.

وكان المركزي الإيراني ضخ مؤخراً ما يقارب ملياري دولار في الأسواق لضبط الأسعار، لكن هذه التدخلات لم تنجح سوى في توفير تهدئة مؤقتة لم تدم لأيام، ليعاود الدولار مساره الصعودي العنيف.

ولا تتوقف تداعيات وصول الدولار إلى 275 ألف تومان عند حدود صرافي الشوارع في طهران، بل تضرب بعمق القطاعات الإنتاجية والصناعية الكبرى في البلاد.

وتعتمد الصناعات الإيرانية، بما فيها صناعة السيارات الثقيلة والصناعات التحويلية، على استيراد المكونات الوسيطة والآلات بالعملة الصعبة.

ومع النقص الحاد في الدولار، سجلت الشركات الكبرى مثل "إيران خودرو" و"سايبا" تراجعاً في أحجام الإنتاج الفعلي بنسبة تقارب 22%.

وعلى الرغم من إعلان بعض الشركات عن زيادة في "إيراداتها الاسمية"، فإن التدقيق المالي يكشف أن هذه الزيادات ناتجة حصراً عن رفع الأسعار مدفوعة بالتضخم، وليس بسبب تحسن الإنتاجية.

وسجلت الشركات خسائر صافية كبيرة وتراكم ديوناً فلكية، حيث تلتهم المصاريف التمويلية والفوائد البنكية ما يزيد عن 90% من إجمالي أرباحها التشغيلية.

صناديق واشنطن.. كيف تعيد انتخابات 2026 رسم الخارطة العالمية للتجارة والاستثمار؟ - موقع 24تشهد أسواق المال العالمية حالة من الترقب بالتزامن مع انطلاق انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، اليوم الثلاثاء، حيث يتوجه الناخبون لتجديد جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إلى جانب 35 مقعداً في مجلس الشيوخ.

كارثة للمواطن

يمثل  الانهيار المالي كارثة حقيقية للمواطن الإيراني الذي يتقاضى راتبه بالريال أو التومان ويدفع ثمن معيشته بأسعار مقومة عملياً بالدولار.

وتشير المؤشرات الاقتصادية المستقلة إلى أن كلفة تأمين السلة الغذائية الأساسية لأسرة مكونة من ثلاثة أفراد قفزت لتصل إلى نحو 17 مليون تومان شهرياً.

وفي المقابل، لا تغطي الأجور الدنيا للموظفين والعمال  سوى النسبة الأقل من الاحتياجات الغذائية الأساسية، وذلك قبل حساب تكاليف السكن المتصاعدة، والرعاية الصحية، والنقل، والتعليم.

ولم تعد خطط الدعم الحكومية، مثل القسائم الإلكترونية التموينية أو المساعدات النقدية المباشرة، قادرة على مجاراة الغلاء المتسارع، وأدى ذلك إلى موجة عارمة من الاحتجاجات اليومية المنظمة من قبل المتقاعدين، والعمال في المدن الكبرى كطهران، وأصفهان، والأهواز، رافعين شعارات تندد بـ "سياسات التفقير" والإنفاق العسكري على حساب الأمن الغذائي الداخلي.

خطط انقاذ فاشلة

وفي محاولة يائسة للسيطرة على المشهد، لجأت السلطات الإيرانية إلى حزمة من الإجراءات الأمنية والتدخلات الطارئة بدلاً من معالجة الجذور الحقيقية للأزمة، ومن أبرزها ملاحقة المصدرين لرفضهم إعادة العوائد الدولارية وضخها في النظام المصرفي الرسمي، وفرض قيود صارمة على أسواق العملات الرقمية وتجميد الحسابات البنكية المشبوهة لمنع هروب رؤوس الأموال خارج البلاد، إلى جانب طرح أفكار ومبادرات غير مجدية اقتصادياً، مثل ما يسمى "متاجر صفر تضخم"، وهي خطط تزيد من الفوضى المالية وتستنزف الميزانيات العامة دون تقديم أي عائد حقيقي للمستهلك.

وفي ظل هكذا وضع ،فإن الاقتصاد الإيراني  يقف اليوم أمام منعطف تاريخي بالغة الخطورة؛ حيث يثبت وصول الدولار إلى عتبة 275 ألف تومان أن أدوات المناورة النقدية لدى البنك المركزي قد نفدت أو أوشكت على النفاد في ظل غياب التدفقات النفطية.

وتؤكد القراءة التحليلية للمؤسسات الدولية أن الاستمرار في العناد الإيراني، والاعتماد على شبكات الالتفاف والأسواق الخلفية لتهريب الأموال، لم يعد كافياً لإنقاذ المالية العامة. وإذا لم تشهد الأسابيع القليلة المقبلة انفراجة سياسية حقيقية تؤدي إلى رفع الحصار وتدفق النقد الأجنبي، فإن التوقعات تشير إلى أن التومان يتجه نحو موجات انهيار أعمق، مما قد يدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات  تفوق القدرة على السيطرة، وتضع الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد على المحك.