أماط تحليل أجرته صحيفة ''فاينانشيال تايمز'' البريطانية اللثام عن حجم أرباح الشركات الأمريكية والأجنبية من حرب العراق بعد مرور عشر سنوات على غزو البلاد. وقالت الصحيفة إن شركات المقالاوت العشرة الأوائل حصلت على عقود أعمال بقيمة 72 مليار دولار على الأقل.

وبحسب الصحيفة، فإن الولايات المتحدة أنفقت زهاء 138 مليار دولار على الأقل على الأمن الخاص، والأعمال اللوجستية، ومقاولي عمليات إعادة البناء الذين وفروا كل شيء، بدءاً من الأمن الدبلوماسي ومروراً بمحطات الطاقة وانتهاءً بورق المراحيض.

وبحسب التحليل، فإن من أكبر المستفيدين من حرب العراق شركة ''كي بي آر'' التي كانت تعرف في السابق باسم ''كيلوغ براون آند روت''. تلك الشركة المثيرة للجدل، التابعة لشركة هاليبرتون التي كان يديرها في السابق ديك تشيني، نائب الرئيس جورج دبليو بوش، والتي ربحت على الأقل 39.5 مليار من عقود فيدرالية متعلقة بالحرب على العراق على مدار العقد المنصرم.

وجاءت "آجيليتي لوجيستيكس"، وشركة نفط الكويت الحكومية، وهما شركتان كويتيتان في المركزين الثاني والثالث، حيث حصلتا على عقود بقيمة 7.2 مليار دولار و6.3 مليار دولار، على التوالي.

ووصفت كلاير ماكاسكيل، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي، والتي قادت جهوداً لتشديد الرقابة على منح العقود، الأرقام بأنها ''مذهلة".

وقالت ماكاسكيل:''شاهدنا خلال العقد المنصرم إنفاق مليارات من أموال دافعي الضرائب على خدمات ومشاريع لم تسهم بشيء يذكر أو لم تسهم على الإطلاق في مواصلة مهمتنا العسكرية".

بيد أن الشركات التي جاءت في قائمة العشر الأوائل دافعت عن سجلها. وقالت ماريان غوش، المتحدثة باسم ''كي بي آر''، إن الشركة قدمت ببسالة تضحيات في بيئة عدائية ومعقدة وغامضة وغير متوقعة، مشيرةً إلى أن الشركة أعدت وقدمت أكثر من مليار وجبة، وأنتجت أكثر من 25 مليار جالون من الماء الصالح للشرب، و265 طناً من الثلج.

ومن جهة أخرى، قال باتريك دورتون، المتحدث باسم ''إنترناشونال أويل تريدينغ''، التي تتخذ من فلوريدا مقرًا لها، والتي حصلت على عقود بقيمة 2.1 مليار دولار لنقل الوقود من الأردن إلى القوات الأمريكية في العراق: ''نحن نفخر بتقديم الدعم الفعال للطائرات النفاثة، وبنقل الوقود إلى الجيش الأمريكي في منطقة الحرب".

وقالت الصحيفة البريطانية إن بيئة العمل لهذه الشركات المتعاقدة ربما تشهد حالة من التغيرات، لا سيما في ظل انتهاء الحرب على العراق وقرب انتهاء الحرب في أفغانستان. لكن تظل طبيعة هذه الشركات الخاصة قائمة، حيث ما يزال هناك 14 ألف متعاقد، من بينهم 5500 حارس شخصي في العراق، رغم رحيل آخر قوات في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011.

وأفاد ستيوارت بوين، المفتش العام لإعادة بناء العراق، بأن المتعاقدين باقون في البلاد على اعتبار أنهم لاعبون حقيقيون، مضيفاً أن الفرص بوجه عام تتشكل بصورة غير متوقعة، إذ لا يمكن معرفة متى تنهار دولة هشة.

تجدر الإشارة إلى أن قائمة الصحيفة البريطانية لأكبر الشركات الرابحة على مدار العقد الفائت مبنية على عقود حكومية فيدرالية مُنحت مقابل أداء عمل في العراق وجارتها الكويت منذ أن تم التخطيط للغزو.

لا ريب أن تجميع هذه القائمة يعد أمراً شائكاً؛ إذ أن بعض المتعهدين يعملون تحت أسماء عدة لتجنب التدقيق، مما يجعل هذه الأرقام محافظة. وتشمل القائمة شركات تعمل في خدمات دعم الواردات والأمن وإعادة البناء وصناعة النفط.
وأوضح دان جور، نائب رئيس معهد ليكسينجتون للبحوث ومقره ولاية فيرجينيا الأمركية، أن الولايات المتحدة دشنت فرعاً خامساً للجيش أطلقت عليه اسم "القطاع الخاص".

وعلى الرغم من أن عصر "المال السهل" ربما يكون قد ولى بالنسبة لهؤلاء المتعهدين، فإن هذا لا يعني أن أوقات الازدهار قد انتهت. ففي عام 2011 قدرت وزارة الخارجية الأمريكية أنها قد تدفع ثلاثة مليارات دولار على مدار السنوات الخمس المقبلة لمتعهدي القطاع الخاص التابعين لها، لحماية مجمع السفارة الضخم الخاص بها في بغداد.

وفي الأثناء، يستمر المتعهدون في ظفر أعمال جديدة مثل شركات النفط التي كثّفت من عملياتها، خاصة حول مناطق مثل البصرة في الجنوب. ونظراً للجدال الدائر حول استخدام المتعاقدين في العراق، يرى العديد من المحللين إنه لا يوجد دليل كاف على أن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" تعلّمت بشأن كيفية الاستخدام الأفضل للمتعهدين من الخارج.

ومن جانبه يرى موشي شوارتز، المحلل في خدمات البحث في الكونجرس، أنه رغم أن وزارة الدفاع الأمريكية أفضل بكثير في استخدام المتعهدين مما كانت عليه منذ عشر سنوات، إلا أنها ما زالت غير مستعدة بالدرجة الكافية لاستخدامهم في عمليات الجيش المستقبلية واسعة النطاق.

وبعد خلاف استمر على مدار ست سنوات، مرّر مجلس الشيوخ في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قانون تفويض الدفاع القومي، وهو إجراء إصلاحي شامل لتعاقدات وقت الحرب يهدف إلى تحسين الإشراف واتخاذ إجراءات صارمة إزاء الهدر والاحتيال. وتولت ماكسكيل الإشراف عليه، والتي أفادت بأنها أمضت سنوات تشير بالبنان إلى الهدر والاحتيال والمساوئ الكبيرة في التعاقدات العسكرية.

بيد أن تقريراً صدر عن مكتب المساءلة الحكومي الأمريكي قد توصل، العام الفائت، إلى أن وزارة الدافع الأمريكية قد خططت أو اتخذت إجراءات بناءً على نصف توصيات لجنة التعاقدات وقت الحرب، في حين أن وزارة الخارجية وهيئة المعونة الأمريكية تصرفتا بناءً على ثلث التوصيات المتعلقة بها.

وقال بوين، المفتش العام لإعادة بناء العراق، في الواقع الولايات المتحدة ليست مهيأة بدرجة كافية لبسط الاستقرار وتنفيذ عمليات إعادة البناء على أسس متكاملة بين الوكالات، مضيفاً أن هذه المشكلة هي الأكثر خطورة واستمرارية، مؤكداً على ضرورة ضمان عدم تكرار الأخطاء ونقاط الضعف التي حدثت في العراق.