رأى الكاتب والمُحلل الإسرائيلي، تسيفي بارئيل، أن إيران لا تسيطر بشكل كامل على فروعها في لبنان والعراق واليمن، لكنها حتى الآن لم تدفع ثمناً كبيراً في مقابل استخدامهم، ونجحت بواسطة عقيدة "وحدة الساحات" في تأسيس مكانة فريدة لنفسها برعاية الحرب في غزة.
وقال في تحليل بصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، تحت عنوان "أسلوب الساحات المتعددة يمنح إيران ميزة استراتيجية ومكانة إقليمية"، إنه منذ 4 فبراير (شباط) الجاري، لم يتم الإبلاغ عن أي هجمات للميليشيات الموالية لإيران على أهداف أمريكية مقارنة بنحو 20 هجوماً بشكل أسبوعي في السابق، ونحو 160 هجوماً في العراق وسوريا منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)، مشيراً إلى أن مصادر إيرانية أفادت، الأسبوع الماضي، بأن سبب توقف الهجمات هو زيارة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، إسماعيل قاآني، إلى العراق، بعد وقت قصير من الهجوم على قاعدة أمريكية على الحدود الأردنية، نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، والذي قتل فيه 3 جنود أمريكيين.
وبحسب ما نقله بارئيل، التقى قاآني برؤساء الميليشيات الموالية لإيران في بغداد، وطالبهم بوقف الهجمات، وقد وافق معظمهم على الانصياع، لافتاً إلى أن وقف الهجمات لم يمنع الرد الانتقامي الأمريكي، ولكن جعله أقل نطاقاً وكثافة مما كان متوقعاً.
وفي إشارة إلى الرابط القوي بين الجماعات المسلحة وبين إيران، قال الكاتب إن القرب الزمني بين زيارة قاآني ووقف الهجمات على الأهداف الأمريكية ليس مفاجئاً، مشيراً إلى أن إيران عادت بعدها، وأعلنت أن كل شريك من الشركاء في "محور المقاومة" الذي يضم تنظيم "حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن والميليشيات الموالية لها في العراق، يتصرف بشكل مستقل، ووفق الظروف التي تناسبه في كل من الساحات، مستطرداً: "ولكن عرض قاآني في العراق أثبت أن هناك صلة مباشرة بين طهران ومقرات محور المقاومة في المنطقة".
هدفان لزيارة قاآني
وأضاف أن هناك من يتساءل حول سبب حضور قاآني، الذي لا يتحدث اللغة العربية، اجتماعاً مع قادة الميليشيات، وعدم اكتفائه بالتوجيه عبر الهاتف، موضحاً أن هناك هدفين لذلك، الأول هو دخول الحكومة العراقية في حوار مكثف مع الجيش الأمريكي، خلال الأسابيع الأخيرة، بشأن سحب كافة قواتها من البلاد، حيث يتمركز نحو 2500 جندي أمريكي، وتتخوف إيران من استمرار الاشتباكات بين الجيش الأمريكي والميليشيات المسلحة.
وأوضح أن الميليشيات المسلحة يمكن أن تؤخر انسحاب الأمريكيين، بل وتزود الولايات المتحدة بالذريعة لتمديد بقائها في العراق، لافتاً إلى أن قاآني يطالب بالتنسيق مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بشأن الجدول الزمني للانسحاب، والتأكد من أن العراق لا ينوي التراجع. أما عن السبب الآخر، فيقول بارئيل إنه يعود إلى ضرورة توفيق العلاقات بين الميليشيات والحكومة في العراق.
وعلى سبيل المثال، في يونيو (حزيران) 2020، بعد أقل من ستة أشهر من اغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، طُلب من قاآني لأول مرة الحصول على تأشيرة دخول إلى العراق، وكان رئيس الوزراء آنذاك مصطفى الكاظمي قرر تقليص نطاق نشاط ونفوذ الميليشيات الموالية لإيران، بل وتحرك ضدها بشكل غير مسبوق عندما أمر بمكافحة الإرهاب.

موقف معقد
وبحسب الكاتب، لم يكن لدى قاآني أخبار جيدة لقادة الميليشيات في ذلك الوقت، حيث أبلغهم أن إيران تنوي خفض ميزانيتهم، وتابع: "لم تتحول الميليشيات في العراق إلى قوة عسكرية تهاجم القواعد الأمريكية فحسب، بل إنها تهدد أيضاً قدرة الحكومة على السيطرة على البلاد، على غرار النموذج الذي يعمل به حزب الله في لبنان، لقد أصبحت الميليشيات قوة اقتصادية كبيرة".
وقال الكاتب إن إيران قد تكون قادرة على السيطرة على أنشطة الميليشيات ضد الأهداف الأمريكية، ولكن عندما يتعلق الأمر بسلوكها داخل العراق وتجاه الحكومة العراقية، فإن موقفها أكثر تعقيداً ومحدوداً.
ورأى بارئيل أن تفعيل الميليشيات وغيرها من القوى المحلية التي تقاتل ضمن أسلوب "وحدة الساحات"، يفرض شروطاً تقييدية على إيران أيضاً على الجبهات اليمنية والسورية واللبنانية، مشيراً إلى أن تقارير أفادت أمس بأن الحوثيين ضربوا سفينة بريطانية واعترضوا طائرة أمريكية بدون طيار، ومن ناحية أخرى، أفادت القوات الأمريكية أنها ضربت لأول مرة سفينة تحت الماء يديرها الحوثيون.
وتابع: "تهاجم الولايات المتحدة وبريطانيا أهدافاً في اليمن كل يوم، لكن يبدو أن هذه الهجمات لم تنجح بعد في تحقيق الردع المطلوب لوقف القتال المستمر في البحر الأحمر، والذي يتزايد ثمنه الاقتصادي كل يوم".
وتابع: "صحيح أن إيران تقوم بتجهيز الحوثيين بأسلحة ومعرفة وتكنولوجيا متقدمة تسمح لهم ببناء الصواريخ والطائرات المسيرة بأنفسهم، لكن ليس من الواضح تماما إلى أي مدى تستطيع إيران تحديد شروط عمليتهم وأهدافهم".
هل دفعت إيران الثمن؟
ويرى بارئيل أن إيران لم تدفع بعد ثمن تشغيل الميليشيات والتنظيمات التي تعمل لصالحها في المنطقة، لأنها إلى جانب تنكرها المسؤولية، تقدم نفسها على أنها الدولة الوحيدة التي تتحكم في "زر التشغيل" في ساحات العنف بالمنطقة، مستطرداً: "بفضل الحرب في غزة، اكتسبت إيران موقعاً استراتيجياً فريداً يتعزز".