تظهر نظرية المؤامرة في كل كارثة كونية تحل بكوكبنا الواسع، من الفيضانات إلى الزلازل وصولاً إلى الحرائق المشتعلة في أماكن شاسعة من ولاية كاليفورنيا الأمريكية منذ أكثر من أسبوع، مخلفة عشرات الضحايا وآلاف المشردين، وخسائر بمليارات الدولارات.
وحين يبدأ الحديث عن نظرية المؤامرة فلا بد من شرح بسيط لما تعنيه، فهي مصطلح يشير إلى شرح لحدث أو موقف اعتماداً على مؤامرة ما لا مبررَ لها، وعموماً تؤخذ المؤامرة في مضمونها على أفعال غير قانونية أو مؤذية تنفذها حكومة أو منظمة أو أفراد، ضد جهة ما.
بدأت الحرائق فعلياً يوم الخامس من يناير (كانون الثاني) الجاري في ثاني كبرى مدن الولايات المتحدة، لوس أنجليس، حين هبت رياح قوية جافة تعرف باسم سانتا آنا، وظلت تتسارع تدريجياً حتى وصلت إلى سرعة 110 كيلومترات في الساعة. وتفرعت النيران لاحقاً إلى عدة حرائق، أبرزها حريق باليسيدس الذي أتى على 9500 هكتار وبات يقترب من حي برينتوود الراقي ووادي سان فرناندو المكتظ بالسكان، وكذلك حريق إيتون في ألتادينا الذي تراجع أمام محاولات السيطرة عليه من قبل رجاء الإطفاء الذين أوقفوا تقدم اللهب بنسبة 27%.
ويشير خبراء الطقس إلى أن الرياح ستستمر اليوم الثلاثاء وغداً الأربعاء بسرعات تتفاوت بين 80 و112 كيلومتراً في الساعة، ما يعني أن حرائق لوس أنجليس كذلك ستستمر بالتوازي مع جهود إطفائها الصعبة.
أبرز الخسائر
* مصرع 24 شخصاً على الأقل.
* تحول تجمعات سكنية بأكملها إلى مجرد ركام محترق، ما أدى إلى تشريد الآلاف.
* خسائر مالية تقدر قيمتها الأولية بـ135 مليار دولار، وفق بي بي سي.
* تدمير أكثر من 5300 مبنى بسبب حريق باليساديس، وأكثر من 5 آلاف مبنى في حريق ألتادينا.

تعليقات سياسية
بكلام الساسة الأمريكيين جاء وصف الحرائق مغايراً عن ما ينشر أو يقال في وسائل الإعلام المختلفة، ما يعطي نبذة وفكرة مبدئية عن مدى حجم الكارثة الطبيعية الأكبر في الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال يقول حاكم ولاية كاليفورنيا جافين نيوسوم، إن حرائق لوس أنجليس واحدة من أعنف الكوارث في تاريخ بلادنا.
من جهة ثانية، سارع الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب فور اشتعال الحرائق إلى كيل التهم، ونشر الانتقادات اللاذعة كعادته، فقال معلقاً على أكبر كارثة حلت بالولايات المتحدة بالتزامن مع عودته إلى البيت الأبيض، إن المسؤولين في كاليفورنيا لا يتحلون بالكفاءة اللازمة، رغم عملية إخماد النيران البطولية التي لم تهدأ على مدار 24 ساعة منذ اندلع الحريق، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.
وقال ترامب أيضاً إن "نيوسوم رفض التوقيع على إعلان استعادة المياه الذي عُرض عليه، والذي كان سيسمح بتدفق ملايين الغالونات من المياه الزائدة إلى المناطق التي تحترق الآن".
وتابع قائلاً: "هذا الحاكم الفاشل فضل حماية سمكة عديمة القيمة تُدعى السملت بدلاً من حماية شعب كاليفورنيا. والآن ندفع الثمن النهائي. لا مياه لصنابير الإطفاء، ولا طائرات لمكافحة الحرائق. إنها كارثة حقيقية!".
نظرية المؤامرة
ظلت نظرية المؤامرة خامدة ومتوارية تحت رماد حرائق لو أنجليس حتى قدم نجم هوليوود الشهير ميل غيبسون ادعاءات مفاجئة وبدون أساس، زاعماً أن الحرائق تم إشعالها عمداً في ولاية كاليفورنيا، لحل مشاكلها الكثيرة، وإفراغ الولاية تماماً من سكانها تجاوباً مع رغبة السياسيين، بحسب حديثه مع برنامج نيوز نيشين.
وأكد غيبسون "أعرف أنهم كانوا يتلاعبون بالمياه، ويتركون الاحتياطيات تنفد لسبب أو لآخر، لقد كانوا يفعلون ذلك منذ فترة، كاليفورنيا لديها الكثير من المشاكل التي تحير العقل، من حيث سبب قيامهم بتلك الأشياء".
وأضاف "في أحداث مثل هذه، تتساءل، هل كان ذلك عن قصد؟ وهو أمر مجنون التفكير فيه، لكن يبدأ المرء في التفكير فيما إذا كان هناك غرض من وراء ذلك، ما هو هذا الغرض؟ ماذا يريدون؟ ولاية فارغة؟".
وتابع قائلاً: "يمكنني اختلاق جميع أنواع النظريات الرهيبة في رأسي، نظرية المؤامرة وكل شيء آخر، لكن يبدو أنه لم يكن هناك ماء".
وتوافقت آراء غيبسون مع آخرون أطلقوا تصريحات مشابهة رجحت اشتعال الحرائق بفعل فاعل، فبادر الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، لاستغلال الكارثة لانتقاد سياسات التنوع والاندماج في ولاية كاليفورنيا.
لم يتفوه بنظرية المؤامرة الساسة والمسؤولين الأمريكيين فقط، لكن العوام رجحوها أيضاً، وبدأوا بنشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن وجود فرق مشبوهة تشعل مزيداً من النيران بدلاً من إخمادها.
وعلى سبيل المثال، انتشر مقطع فيديو لرجل يقود مركبة بينما يرمي خلفه فتائل مشتعلة حول طرف غابة، ولا يعرف إن كان ذلك في كاليفورنيا، وعللوا الفعل بأنه مقصود لإشعال مزيد من الحرائق.
وربما كانت سرعة انتشار نظرية المؤامرة أكثر من سرعة رياح سانتا آنا ذاتها، لكن خبراء خرجوا فوراً للرد وحاولوا تطويق نظرية المؤامرة بتفسيرات أكثر منطقية، قائلين إن أسلوب إطفاء الحرائق بالنيران هو تكنيك حقيقي، يقوم على مبدأ إشعال نار مقابلة للحرائق المشتعلة بطريقة مسيطر عليها وتوجيهها نحو النار التي يُراد إطفاؤها فلا يبقى أمام النار المشتعلة شيء لإحراقه، فتنطفئ، لكن هذه الطريقة محفوفة بالمخاطر بسبب إمكانية تغير اتجاه الرياح وتمدّد النيران باتجاهات أخرى بما يجعلها تستمر وتتصاعد.
ودعم مؤيدو نظرية المؤامرة وجهة نظرهم بادعاءات وصور وفيديوهات تقول إن الأسلحة الموجهة بالطاقة، أشعلت النيران، لكن في الحقيقة فقد ظهرت ادعاءات مماثلة وتم فضحها خلال حرائق أستراليا عام 2019 وحرائق ماوي عام 2023.
كما نشأ ادعاء آخر على نطاق واسع، وجهت فيه اتهامات للسلطات بالتقاعس عن إطفاء النيران، حينما بدأت جيوش وسائل التواصل الاجتماعي بتداول مقطع فيديو يُظهر رجال إطفاء يستخدمون حقائب يد نسائية لإطفاء النيران.
وردت السلطات على تلك المقاطع بالقول على لسان المتحدث باسم إدارة الإطفاء في لوس أنجليس، إن "الفيديو يصور في الواقع رجال إطفاء يستخدمون أكياساً قماشية قياسية، وهي أداة شائعة للتعامل مع الحرائق الصغيرة".
كذلك، روج منشور على إكس لادعاء لا أساس له من الصحة بأن حاكم كاليفورنيا نيوسوم كان "يعمل مع المطورين العقاريين لإعادة تقسيم الأراضي المحروقة في باسيفيك باليساديس لبناء شقق عمودية". ورد نيوسوم بالقول: "هذا ليس صحيحاً"، وفق تقرير لشبكة "إيه بي سي نيوز".
وأمام سيل الاتهامات والانتقادات والتخمينات بوقوف نظرية المؤامرة خلف الكارثة الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة، سارعت السلطات الأمريكية الفيدرالية والمحلية لإجراء تحقيق ضخم لتحديد أسباب اندلاع الحريق.
ويرى بعض الخبراء، أن نظرية المؤامرة قد لا تكون صحيحة تماماً فيما يتعلق بحرائق كاليفورنيا، وإذا أردنا افتراضها، فحرائق الغابات تندلع أحياناً عمداً، لكن المرجح أن اشتعالها المستمر في جميع أنحاء العالم يأتي بفعل كونها جزءاً حيوياً من دورة الحياة البيئية.