لم تعد الصناعات الدفاعية التركية مُجرّد قطاع إنتاجي اقتصادي بل تحوّلت إلى رافعة للنفوذ السياسي والعسكري. فأنقرة، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الحلفاء لتلبية احتياجاتها الدفاعية، تسعى اليوم إلى تثبيت موقعها كلاعب مُصدّر ومُؤثّر في أسواق السلاح العالمية، ولا سيّما في إفريقيا وأوروبا الشرقية.

وفي مشهد يعكس طموحات أنقرة المُتسارعة على المستويين العسكري والتقني، تحوّل مدرج مطار أتاتورك القديم في إسطنبول إلى منصّة لاستعراض القوة التكنولوجية التركية. فعلى مدى خمسة أيام من 17 إلى 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، استضافت المدينة مهرجان "تكنوفست"، أول حدث تركي مخصص لصناعات التسلح والدفاع والطيران والفضاء.

وبينما يُشكّل مهرجان "تكنوفست" واجهة احتفالية، فإنّ جوهره الحقيقي يتمثّل في إعادة صياغة موقع تركيا داخل منظومة القوى الإقليمية والدولية، وتعزيز قطاع الصناعات الدفاعية الذي أصبح خلال أقل من عقد من الزمن أحد أعمدة السياسة الخارجية لأنقرة.

في نادي كبار مُصدّري السلاح

منذ إطلاقه عام 2018، تحوّل "تكنوفست" إلى أحد أبرز رموز التحوّل التركي في مجال الصناعات العسكرية. والحدث لا يقتصر على تقنيات السلاح، بل يحمل طابعاً تعبويّاً شعبياً واضحاً، من خلال استهداف فئات المُجتمع كافة من الأطفال إلى الشباب والعائلات، وجعلهم شُركاء في الطفرة التي حققتها بلادهم في ميدان التسليح عبر استعراض جماهيري يُواكب افتتاح الحدث سنوياً، بما يعكس التحوّل النوعي في مكانة تركيا الدولية، بحسب الصحافي والمحلل السياسي الفرنسي توماس غيشارد، مراسل صحيفة "لا كروا" في إسطنبول.

ووفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد احتلت أنقرة المرتبة الحادية عشرة عالمياً بين مُصدّري الأسلحة لعام 2024. كما تضاعفت حصتها على صعيد الإنتاج والتصدير في سوق السلاح العالمية خلال السنوات الخمس الماضية، وارتفعت صادراتها الدفاعية بنسبة 29 في المائة خلال عام واحد، بحسب بيانات رئاسة الصناعات الدفاعية التركية.

من التبعية إلى التأثير

ويُرجع تقرير نشرته اليومية الفرنسية هذا الصعود التركي الملحوظ في مجال تصنيع السلاح إلى رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي جعل من الصناعات الدفاعية أداة سيادية واستراتيجية. فالهوس التركي القديم بالتحرر من التبعية العسكرية للخارج، لا سيما للحلفاء داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تحوّل إلى مشروع وطني واسع النطاق.

وقال ممثل شركة "بايكار" الرائدة في حلول الدفاع والطيران وخاصة الطائرات المُسيّرة، وأحد أبرز الفاعلين في قطاع تصنيع الأسلحة "كل هذا وُلد من حلم كبير، هو حلم رئيسنا. لقد كان هو من جعل كل هذه المشاريع ترى النور. انظر حولك، قبل عشر سنوات لم يكن هناك شيء من هذا".

في سبتمبر (أيلول) الماضي، تسلّمت القوات المسلحة التركية الدفعات الأولى من منظومة الدفاع الجوي "القبة الفولاذية"، كما بدأت الإنتاج المتسلسل لدبابة القتال "ألتاي". وأعلنت أنقرة كذلك تنظيم أول معرض أفريقي للصناعات الدفاعية التركية في مالي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المُقبل.

وفي أروقة المهرجان، شوهد جنرال في سلاح الجو يُهنّئ ممثلي "بايكار"، بينما كان طفل يُشغّل كاميرا طائرة مُسيّرة بجهاز تحكم من نوع "إكس بوكس"، في صورة تُلخّص تلاقي البُعد الشعبي مع الطموح الصناعي والعسكري.

الطائرات المُسيّرة.. رأس الحربة

تُمثّل الطائرات المُسيّرة محوراً أساسياً في الاستراتيجية الدفاعية التركية. فقد اكتسب طراز "بيرقدار TB2" شهرة عالمية بعد استخدامه في عدّة نزاعات إقليمية ودولية، مُحققاً نجاحاً لافتاً.

استُخدم هذا الطراز في عمليات ضدّ حزب العمال الكردستاني، وفي ليبيا وسوريا وإثيوبيا، كما استخدمته أذربيجان في حرب ناغورني قره باغ الثانية عام 2020. وأصبح لاحقاً رمزاً للمُقاومة الأوكرانية في مُواجهة الجيش الروسي، لتقوم بولندا ورومانيا بشرائه. وعرضت الشركة خلال مهرجان "تكنوفست" الطراز الأحدث "TB3"، المُزوّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي وبقُدرات أعلى على مُقاومة التشويش الإلكتروني. وقال ممثل الشركة إنّ الطراز الجديد "سيُصدّر إلى كل أنحاء العالم".

شراكات أوروبية ومخاوف نقل التكنولوجيا

في ربيع 2024، وقعت شركة "ليوناردو" الإيطالية اتفاق شراكة مع "بايكار" بهدف دخول السوق الأوروبية للطائرات المُسيّرة، الذي يُقدّر حجمه بنحو 100 مليار دولار خلال العقد المُقبل. ويهدف المشروع إلى أن تكون هذه الطائرات جزءاً من مهام دعم الجيل السادس من المُقاتلات التي تُطوّرها إيطاليا والمملكة المتحدة واليابان. وقال الرئيس التنفيذي لـِ "ليوناردو" روبرتو تشينغولاني "أوروبا متأخرة في مجال تقنيات الطائرات غير المأهولة، وفي ظرف دولي مُعقّد، تُعدّ المُسيّرات أساسية لضمان الأمن".

لمواجهة النفوذ الصيني والروسي.. هل تستطيع تركيا دعم واشنطن في القارة الأفريقية؟ - موقع 24يرى الباحث ليام كار أن القارة الأفريقية سوف تشهد تحولات متسارعة في موازين النفوذ بين القوى العالمية، في وقت تتراجع فيه مكانة الغرب وتتعاظم أدوار الصين وروسيا.

لكنّ هذه الشراكات تُثير مخاوف أوروبية مُتزايدة، خصوصاً ما يتعلق بنقل التكنولوجيا الحسّاسة. فقد نقلت وسائل إعلام تركية تصريحات منسوبة إلى مدير الاستراتيجية في شركة "نافال غروب" الفرنسية، انتقد فيها الشركات الألمانية بسبب "نقل واسع للتكنولوجيا" إلى تركيا. وتأتي هذه التصريحات في وقت تُراهن فيه باريس على تطوير طائراتها المُسيّرة لتعويض تأخرها في هذا المجال.