يتطور النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بسرعة، ولكن ليس بالطريقة التي يريدها العديد من المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين، فقد أثمرت مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، إطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين الأحياء، ووقف القتل والدمار في القطاع.
وأثار ذلك الآمال في تحول إقليمي أوسع، رغم استمرار غموض اما يمكن تحقيقه بعد وقف إطلاق النار الأولي.
وفي حين يمكن أن تتطلع العديد من الحكومات العربية إلى استكشاف فرص التطبيع مع إسرائيل إذا نجحت خطة ترامب في منع تهجير الفلسطينيين، ومنع ضم إسرائيل للضفة الغربية، فإن الإسرائيليين يرون في ضغط القادة العرب على حماس لقبول صفقة ترامب دليلاً على إمكانية عودة ملف التطبيع إلى مائدة البحث.
لكن أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن الأمريكية، مارك لينش، يقول في تحليل ب "فورين افيرز" إنه حتى إذا صمد اتفاق غزة، فإن لحظة التقارب الأمريكية الإسرائيلية هذه لن تدوم. فمن شبه المؤكد أن اعتقاد إسرائيل الخاطئ أنها رسخت تفوقاً استراتيجياً دائماً على دول المنطقة، سيدفعها إلى مواصلة تحركاتها المستفزة التي تتحدى أهداف البيت الأبيض بشكل مباشر.
كما أن دول الخليج التي تحلم إسرائيل بكسبها إلى صفها تشك في رغبة تل أبيب أو قدرتها على حماية مصالح تلك الدول الجوهرية. وأصبحت هذه الدول الآن أقل اهتماماً بمواجهة إيران، وأقل اقتناعاً بأن الطريق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب، في حين يبدو أن إسرائيل لا تدرك مدى تقارب ترامب مع دول الخليج.
حكومة إسرائيل اليمينية
سيطر التفكير بالتمني على حكومة إسرائيل ومؤسسة أمنها القومي، وهو ما تجسد في الفرص التي أتاحها لها استخدام قوتها المفرطة ضد خصومها منذ هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث دمرت قطاع غزة بالكامل، وتجاوزت مراراً وتكراراً الخطوط الحمراء التي حكمت الصراع الإقليمي لفترة طويلة، واغتالت قادة كان يظن أنه لا يمكن المساس بهم، مثل زعيم حزب الله حسن نصر الله، ورئيس حركة حماس إسماعيل هنية في منزل آمن بإيران،والعديد من القادة العسكريين الإيرانيين، في سوريا، ورئيس الوزراء الحوثي في اليمن.
وجاء قصف إسرائيل للمواقع النووية والعسكرية في إيران تتويجاً لرغبتها الراسخة في ضرب قلب عدوها الأكبر.
وجاء القصف الإسرائيلي لمقر إقامة قادة حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة في محاولة فاشلة لاغتيالهم ليمثل نقطة تحول مفاجئة.
فقد رأي ترامب أن إسرائيل تجاوزت الحدود هذه المرة.وتجسد الصورة الخالدة لترامب العابس وهو يشاهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يقرأ بخجل اعتذاراً مكتوباً لأمير قطر عن قصف الدوحة، اللحظة الجيوسياسية المتغيرة التي أدت إلى وقف إطلاق النار في غزة ، حسب مارك لينش مؤلف كتاب "الشرق الأوسط الأمريكي: تدمير المنطقة". ورغم ذلك فمن غير الواضح، إذا كان غضب ترامب من إسرائيل سيؤدي إلى تغييرات ذات مغزى تتجاوز وقف إطلاق النار الحالي.
محلل أمريكي: اتفاق الهدنة في غزة فقد معناه وواشنطن مطالبة بالضغط على نتانياهو - موقع 24أكد الباحث والمحلل الأمريكي ألكسندر لانغلوا، أن ما يُسمّى بـ"وقف إطلاق النار" في غزة لم يعد موجوداً فعلياً، بعدما استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية الكاملة ضد حركة حماس في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، في خطوة عدّها الكاتب "نسفاً تاماً لأي معنى حقيقي للهدنة التي رعتها إدارة الرئيس دونالد ...
على حافة الهاوية
لكن لينش يرى أنه سيكون من الأفضل لإسرائيل أن تتراجع عن حافة الهاوية، وتغتنم الفرصة التي يوفرها وقف إطلاق النار، لتقليل مغامراتها العسكرية، والسعي إلى نوع من النظام الإقليمي المستدام، الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بالتحرك الجاد نحو دولة فلسطينية. وكشف الصراع الطويل أوجه قصور إسرائيل، فدفاعاتها الصاروخية لا توفر أمناً مثالياً، ولا يمكن لاقتصادها تحمل حرب بلا نهاية، وسياساتها الداخلية متوترة بعد فترة طويلة من الصراع في غزة، ولا يزال جيشها يعتمد بشدة على الولايات المتحدة. لقد دمرت حرب غزة مكانة إسرائيل في العالم، لتصبح معزولة ووحيدة بشكل متزايد.
على حافة الهاوية..هرتسوغ يحذر من انهيار إسرائيل - موقع 24قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، من أن البلاد تشهد مستويات عالية من التحريض والعنف مماثلة لما سبق اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، إسحاق رابين.
نظام جديد
الأمر المؤكد هو أن إسرائيل لا تستطيع قصف الشرق الأوسط كله، لإرساء نظام جديد مستقر. فالقيادة الإقليمية تتطلب أكثر من التفوق العسكري، فهي تتطلب أيضاً قدراً من القبول والتعاون من القوى الإقليمية الأخرى. والواضح أن لا أحد في الشرق الأوسط يرغب في قيادة إسرائيلية للإقليم، وكل الدول تخشى الآن بشكل متزايد قوتها الجامحة.
وفي المقابل هناك تيار في واشنطن يرحب بإمكانية إقدام إسرائيل، التي لا تعرف حدوداً، على تدمير خصوم الولايات المتحدة. لكن على هذا التيار التحلي بالحذر مما يتمناه. فمصالح إسرائيل تختلف عن مصالح الولايات المتحدة، وإسرائيل تكتب الكثير من الشيكات ثم تطلب من الولايات المتحدة صرفها، التي قد تكون لا ترغب أو تقدر على صرفها.
وتجاوزت مساعي إسرائيل لإعادة تشكيل المنطقة حدود الخيال، كما أنها تسبح عكس التيار. لقد اتسم النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، باستقرار ملحوظ على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية. فرغم الاضطراب والعنف الذي يبدو متواصلاً، لم يشهد الهيكل الأساسي للسياسة الإقليمية سوى لحظات قليلة من التغيير المحتمل، لم يدم أي منها طويلاً. وهذا الهيكل يتشكل من هيمنة أمريكية غير شعبية وغير مرغوب فيها إلى حد كبير، مقابل انقسام قوي للمنطقة إلى كتلتين متنافستين.
لكن التفوق الأمريكي، الذي أضعفته كارثة غزو العراق في 2003، والأزمة المالية العالمية في 2008، لم يعد صلباً كما كان في العقود السابقة. كما أن التعددية القطبية لا تزال احتمالاً بعيداً. ولم يكن لدى روسيا سوى حليف واحد في المنطقة، هو نظام الرئيس بشار الأسد الضعيف في سوريا. والآن، بعد الإطاحة بالأسد في 2024، لم يعد لديها أي حليف. كما لم يتحول الصعود الاقتصادي الصيني المستمر والاتفاقيات الاستراتيجية الهائلة التي وقعتها بكين مع القوى الإقليمية ،إلى تحد خطير للنظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
تقرير: محاولة ترامب للسلام في غزة تصطدم بواقع السياسة الإسرائيلية - موقع 24في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتثبيت وقف إطلاق النار، الذي رعته واشنطن بين إسرائيل وحماس، تواجه جهوده تصعيداً سياسياً داخل إسرائيل يهدد بإفشال مسار السلام.
لكن في أعقاب حرب إسرائيل في غزة، أعادت الأنظمة العربية، اكتشاف أهمية القضية الفلسطينية. فقادتها، الذين يخشون دائماً موجة متجددة من الانتفاضات الشعبية، ويستعدون بحذر لأي مثيرات محتملة لاحتجاجات جديدة، يدركون تماماً عمق الغضب الشعبي من التطهير العرقي والتدمير من إسرائيل في غزة.
كما أعاد تأكيد السعودية مبادرة السلام العربية، التي تتضمن تحقيق السلام مع إسرائيل مقابل إقامة دولة فلسطينية، مدى قوة هذا التحول في الموقف العربي من القضية الفلسطينيية. وقد انعكس هذا التحول في شروط وقف إطلاق النار في غزة، التي استبعدت تهجير الفلسطينيين، وضم إسرائيل للضفة الغربية، وهي شروط تتوافق بشكل أوثق مع تفضيلات الدول العربية، منها مع تفضيلات إسرائيل.
في الوقت نفسه فإن التفوق العسكري الإسرائيلي، والرضوخ العربي المتذمر لن يضمنا قيام نظام إقليمي مستدام. فتعزيز القيادة الإقليمية الإسرائيلية يحتاج إلى اشتراك الدول العربية مع إسرائيل، إما في الهدف أو في الشعور بالتهديد. لقد قوضت إسرائيل كليهما. فتدمير غزة والسعي لضم الضفة الغربية نسف أي حديث عن استعداد لإسرائيل للسماح بمسار نحو حل عادل لقضية الدولة الفلسطينية.
هل تعود إسرائيل للاغتيالات؟ تل أبيب تدرس "خيارات الرد على حماس" - موقع 24ذكر موقع "واللا" الإسرائيلي، أن صبر المستوى السياسي في إسرائيل بدأ ينفد بسبب قضية إعادة حماس لجثث الرهائن، وأنها تدرس خيارات للرد، من بينها العودة إلى سياسة الاغتيالات المستهدفة والمناورة البرية لتوسيع سيطرة الجيش الإسرائيلي، بينما يتم تأجيل دخول القوة متعددة الجنسيات إلى قطاع غزة.
غطرسة إسرائيل
وقبل أن تدمر الهجمات الإسرائيلية القوة العسكرية الإقليمية لإيران، كانت السعودية ودول الخليج تتجه نحو التقارب مع طهران. ثم جاء قصف إسرائيل للدوحة، وقبلها التهديدات الإسرائيلية بطرد ملايين الفلسطينيين إلى مصر، والأردن، ليجعل إسرائيل الآن تهديداً للأنظمة العربية، مع ضعف إيران، وهو ما ينفي حاجة هذه الأنظمة إلى التحالف مع إسرائيل، لمواجهة التهديد الإيراني الذي لم يعد موجوداً.
كما أن إسرائيل تبالغ في تقديرها لقوتها العسكرية. فرغم ضرباتها المفاجئة الجريئة، وتفوقها الجوي الواضح، فإنها لا تملك جيشاً قادراً على احتلال أراض تتجاوز الأراضي الفلسطينية، والسورية التي استولت عليها منذ 55 عاماً. ففي حين أثبتت قدرتها على تحقيق العديد من أهدافها التكتيكية بالاغتيالات والقصف، فإنها لم تثبت قدرتها على تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية، فحماس لا تزال القوة الأقوى في غزة، وحزب الله يرفض نزع سلاحه رغم خسائره الكبيرة، والحملة العسكرية الضخمة التي استمرت 12 يوماً ضد إيران، فشلت في إنهاء البرنامج النووي الإيراني، أو إثارة الشعب الإيراني ضد نظامه الحاكم.
وأخيراً يقول مارك لينش إن إسرائيل قد ترى نفسها القوة المهيمنة الجديدة في المنطقة، لكنها في الواقع جعلت نفسها أقل ضرورة، وأقل فائدة. فبعد الهجوم على قطر، لن يواصل قادة دول الخليج توجيه جميع أنظمة دفاعهم الجوي نحو إيران، واليمن، بعد أن جعلت إسرائيل نفسها الآن تهديداُ لأمنهم
إن تجنب إسرائيل دفع أي ثمن باهظ حتى الآن لتوسعها العسكري في المنطقة، وتدمير غزة، عزز الشعور في إسرائيل بأنها لن تدفع ثمناً باهظاً أبداً. لكن هذا تصور مضلل تماماً كما اعتقدت إسرائيل قبل أكتوبر 1973، أن لا دولة عربية ستتجرؤ على مهاجمتها، فكان أن شنت مصر وسوريا حرباً مفاجئة عليها في 6 أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام.
وكما اعتقدت قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أن حركة حماس ستظل محصورة في غزة إلى الأبد، فكان هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الذي يقول الإسرائيليون أنفسهم، إنه كان الأخطر والأكبر منذ حرب 1973.