قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في عامه الأول، نفسه كقائدٍ بارع في عقد الصفقات، يسعى لإعادة هيكلة الترتيبات الاقتصادية والأمنية العالمية بما يخدم المصلحة الأمريكية.
واستخدم الرئيس القوة العسكرية الأمريكية لتعزيز جاهزية حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأبرم اتفاقيات تجارية مُواتية مع أوروبا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والعديد من الدول الأخرى، كما توسط في اتفاقيات سلام تمتد من إفريقيا إلى الشرق الأوسط، ومن القوقاز الجنوبي إلى جنوب شرق آسيا، إضافة إلى تأمين اتفاقيات حيوية تتعلق بالمعادن والطاقة، بحسب تحليل لمجلة "ناشونال إنتريست".
وبحسب المجلة، يبدو أن بعض المعينين السياسيين في البنتاغون يسيرون وفق أجنداتهم الخاصة، لا وفق أجندة الرئيس أو قيادات الحزب الجمهوري في الكونغرس حيث ينبغي على وزارة الدفاع في عهد ترامب أن تلتزم بأولويات الرئيس، بما يضمن تعزيز نفوذ الولايات المتحدة وتحقيق السلام من خلال القوة.
تقاسم الأعباء
نجح الرئيس ترامب في إقناع حلفاء الولايات المتحدة بتحمل حصة أكبر من تكلفة أمنهم القومي ضمن تحالفهم مع واشنطن، متجاوزاً بذلك جميع أسلافه. ودفع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الالتزام بإنفاق 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، والمساهمة في تغطية تكاليف الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا، إلى جانب الاستثمار في قدراتها العسكرية الذاتية.
ونفى ترامب في سبتمبر شائعات تفيد بنيته سحب القوات الأمريكية من بولندا، وذلك خلال لقائه مع الرئيس البولندي المنتخب حديثاً وتُعد بولندا حليفاً محورياً للولايات المتحدة في مجالات الطاقة والاقتصاد والدفاع.

وبحسب الإحصاءات حتى مارس (آذار)2025 بلغ عدد القوات الأمريكية في أوروبا حوالي 65,471 جندياً، مقارنةً بأكثر من 300,000 خلال نهاية الحرب الباردة. وفي الوقت نفسه، يمارس ترامب ضغطاً متزايداً على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من خلال توسيع العقوبات على قطاع الطاقة، ودرس إرسال صواريخ توماهوك بعيدة المدى إلى أوكرانيا.
وذكرت "ناشونال إنتريست" أن الشركات الأمريكية تُعد عنصراً أساسياً في تطوير احتياطات الغاز الطبيعي البحرية في رومانيا ضمن مياه البحر الأسود، إلا أن هذه الاحتياطات ليست سوى قمة جبل الجليد مقارنةً بالإمكانات الكامنة في المياه الإقليمية لأوكرانيا وبلغاريا وتركيا.
وبينت المجلة في تحليلها أنه ينبغي أن تنسجم مراجعة انتشار القوات الأمريكية حول العالم مع التحركات السياسية للرئيس ترامب، عبر إعطاء الأولوية للأمن الأمريكي وأمن الحلفاء في المناطق الحيوية، مع التأكيد على ضرورة أن يتحمل الشركاء حصتهم العادلة من التكاليف.
إن قرار سحب القوات يمثل خطوة إلى الوراء في الوقت الذي يتحرك فيه الرئيس ترامب إلى الأمام. وعلى العكس من ذلك، يجب دراسة تعزيز انتشار القوات الأمريكية بشكل دوري على الجبهة الشرقية لأوروبا.
النفوذ العسكري
تُعد الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في التاريخ التي تدعم أمن حلفائها على حسابها، في الوقت الذي تنافسها فيه اقتصادات هؤلاء الحلفاء على قدم المساواة ويواصل ترامب هذا التقليد الاستثنائي، مدركاً تماماً أبعاده، لا غافلًا عنها.
كما أن الاستثمارات المتبادلة بين الحلفاء والولايات المتحدة تُعد الطريقة الأسرع والأكثر فعالية لتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية، وزيادة قدراتها ومرونتها.
وأشارت المجلة إلى أنه لا يوجد شركاء عسكريون واقتصاديون أفضل من ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة فنلندا وبولندا ورومانيا للولايات المتحدة. ويتمتع الرئيس ترامب بعلاقات شخصية ممتازة مع العديد من قادتها، مما يمنحه موقعاً مثالياً لتعظيم النفوذ العسكري الأمريكي في المنطقة.
ولتطبيق أولويات الرئيس ترامب، يجب أن يعزز استعراض التمركز العسكري العالمي للبنتاغون النفوذ الأمريكي إلى أقصى حد، بما يضمن عقد اتفاقيات اقتصادية وعسكرية مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.
السلام من خلال القوة
يستخدم الرئيس دونالد ترامب، النفوذ العسكري الأمريكي بنشاط لتحقيق السلام في أوروبا وأفريقيا والأمريكيتين وآسيا. ويُعدّ الانتشار المتقدم للقوات الأمريكية عنصراً متكرراً في استراتيجيته لصنع السلام ووجود القوات الأمريكية في أوروبا يوفر منصة مثالية لجهود الرئيس ترامب الرامية إلى تحقيق السلام في كل من أوروبا وآسيا وأفريقيا.
وبينت المجلة، أن الحجة القائلة بضرورة سحب القوات من ساحة لزيادة التواجد في ساحة أخرى، فلا تستند إلى منطق قوي. كما أن الدعوات لسحب القوات من كلا المنطقتين من أجل تعزيز الأمن الداخلي في الولايات المتحدة تُعدّ أقل إقناعاً لذلك لا توجد حجج واقعية تشير إلى أن أمن الولايات المتحدة، أو مصالحها الجيوسياسية المتنامية ستخدم بشكل أفضل من خلال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.