بينما تُسوّق دمشق مشروعاً جديداً لدمج النساء في الشرطة السياحية باعتباره خطوة إصلاحية، يكشف محللون وباحثون سياسيون، أنّ البلاد تشهد صراعاً صامتاً بين خطاب الانفتاح ومُحاولات تمرير إجراءات مُحافظة، تُربك المُجتمع المحلي وتُثير أسئلة الخارج.

وبين صورة الشرطيات الجديدات وذكريات "شرطة الأخلاق" في مدينتي الرقة وإدلب وفي دول أخرى، يبرز سؤال أساسي يطرحه مُراقبون: هل تغيّر قادة دمشق الجُدد أم تغيّر أسلوبهم فقط؟

خطوة دعائية أم تحوّل فعلي؟

وفق تحليل الباحث توماس بيريه، المُتخصص في قضايا العالم العربي في المعهد الفرنسي للشرق الأوسط، المُرتبط بالمركز الوطني للبحث العلمي في باريس، فإنّ "استعراض وجود نساء في الشرطة السورية يُمثّل خطوة دعائية"، لكن ما يلفت النظر أنّ ذلك يُعتبر أيضاً "أمراً غير قابل للتصوّر" من قبل بعض المُحيطين بالسلطة من المُتشددين.

وأما المحلل السياسي والكاتب الصحافي توماس أبجرال، فيرى أنّ السلطات الجديدة تعمل على إطلاق مشروع تجريبي لدمج عدد أكبر من النساء في جهاز الشرطة السياحية، في خطوة تُريد من خلالها إيصال رسالة انفتاح إلى المُجتمع الدولي، بالتوازي مع محاولات أخرى لفرض إجراءات ذات طابع مُحافظ.

بين ضغوط الداخل وتوقعات الخارج

وبحسب تقرير نشرته مجلة "ماريان" الفرنسية من داخل دمشق، تتقاطع مُبادرة دمج النساء في جهاز الشرطة مع توقعات الداخل وضغوط الخارج، وسط محاولات حكومية لتهدئة المخاوف من إجراءات اجتماعية محافظة أثارت جدلاً واسعاً في الأشهر الأخيرة.

وينقل التقرير عن أحمد دغمة، مدير الشرطة السياحية في دمشق، قوله: "نحرص على أن يُمثّل العنصر النسائي في الشرطة كل المُكوّنات الدينية في سوريا. لدينا حالياً نحو 30 شرطية، لكن هدفنا أن تبلغ نسبة النساء 50% من أصل 500 عنصر نقوم بتدريبهم".

كما كشف عن خطط لتعميم التجربة على أقسام شرطية أخرى، مُؤكداً وجود نساء يعملن بالفعل في فرع التحقيقات الجنائية.

ورغم ذلك، تبقى الغالبية الساحقة من خريجي الدفعة الأولى للشرطة السياحية، في يونيو (حزيران) 2025، من الرجال.

وجرى بالفعل إدخال بعض النساء لأوّل مرّة، لكن تمّ استدعاء أخريات عملن سابقاً في الشرطة السياحية التي تأسست عام 2007 لدى النظام السابق، قبل أن يتوقف نشاطها خلال الحرب.

ليست "شرطة أخلاق"!

وظهرت الشرطيات بزي أزرق فاتح وقبعات مميزة دون ارتداء الحجاب، ويحملن العصي وأجهزة الاتصال والمسدسات، ويُشاركن في تأمين الفعاليات السياحية. ووفق الشرطية لينا مصري (46 عاماً)، فإنّ وجود النساء في الشرطة "مقبول جداً في المدن الكبرى، لكنّه لا يزال مرفوضاً في المناطق الريفية". وفي ظلّ طابع المُجتمع السوري التقليدي، تُكلّف الشرطيات بتفتيش النساء فقط.

ومن جهتها، تُؤكّد الشرطية غدافة كنعان (34 عاماً)، أنّ "بعض الحالات تتطلب وجود عنصر نسائي بشكل خاص، ومع عودة السياحة إلى سوريا، فإنّ وجود نساء في الشرطة يُقدّم صورة عن انفتاح البلد".

ويختلف هذا النموذج جذرياً عن "شرطة الأخلاق" التي نشطت سابقاً في كلّ من الرقة وإدلب، في ظلّ سيطرة تنظيمي "داعش" الإرهابي و"هيئة تحرير الشام"، حيث كانت الشرطيات يرتدين النقاب الأسود.

وسبق أن تمّ إنشاء 3 هيئات مختلفة لـِ "الحسبة" بين عامي 2017 و2021، في إدلب قبل أن يجري حلّها تدريجياً، بحسب مجلة "ماريان".

وتُوضح الناشطة النسوية غالية رحّال، أنّ هذه الشرطة الدينية، التي سبق أن أنذرتها "كانت تفرض ما تعتبره الزي الشرعي المُناسب للنساء والرجال، وكذلك الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة".

ويُشير الباحث الفرنسي باتريك هيني في دراسته "إدارة الشريعة والشرطة من قبل هيئة تحرير الشام في إدلب بين 2017 و2024"، إلى أنّ الرئيس الحالي سبق أن "ألغى هذه الشرطة الدينية في أواخر 2021 بسبب تجاوزاتها، واستجابة لضغوط دولية في وقت كانت فيه الهيئة تسعى لرفعها من قوائم العقوبات".

حسابات سياسية

ومن جهته، يرى الباحث توماس بيريه أنّ "أحمد الشرع لا يُولي أيّ أهمية لفكرة الشرطة الدينية. همّه الأساسي هو السلطة السياسية والسيطرة على الاقتصاد. كما يسعى إلى إرضاء البرجوازية السنيّة الدمشقية التي تريد تحقيق توازن دائم بين المُحافظة والحداثة، وتُعارض بشدة أي عودة لشرطة دينية".

وتبقى قضية حقوق المرأة حاضرة بقوة في سوريا اليوم، تقول الناشطة غالية رحّال إنّ "الحكومة الجديدة لن تمنح المرأة حقوقها تلقائياً. لذا على النساء والمُجتمع المدني أن يُطالبوا بها".

وكانت السلطات قد حاولت خلال الأشهر الماضية، فرض تدابير مُحافظة، حيث صدر مرسوم في يونيو (حزيران) الماضي، يُلزم النساء بارتداء البوركيني أو ملابس سباحة محتشمة على الشواطئ العامة، لكنّ وزارة السياحة سارعت إلى التراجع بعد موجة اعتراض واسعة، مؤكدة أنّ القرار تعرّض لسوء فهم.

كما سبق أن تمّ إغلاق بعض الحانات في الأحياء المسيحية بدمشق بذريعة "عدم وجود التراخيص"، ثم تكرر الأمر في مدينة اللاذقية، قبل أن تتراجع السلطات من جديد تحت ضغط الاحتجاجات.