أقرّ المحتال الأمريكي بول ريغان، الذي اعترف بالذنب في مارس (آذار) الماضي في ثلاث تهم جنائية تتصل بالاحتيال، بسُبل خداع أكثر من 300 مستثمر والحصول على مبالغ تجاوزت 60 مليون دولار، عبر شركتين زعم أنهما تديران استثمارات في تعدين الذهب ووثائق التأمين الصحي.

وادعى ريغان أنه اكتشف "عقدة الانتشار" في عالم الاستثمار، أي عوائد مرتفعة بمخاطر منخفضة، واعداً المستثمرين بفرص لكسب عوائد سنوية تبلغ 10% أو 15% أو حتى أكثر، مضمونة لمدة تصل إلى 10 سنوات.

استغلال عواطف المستثمرين

وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، سجل ريغان العديد من مكالماته الهاتفية ليُعلّم بها فريق مبيعاته كيف يكررون أسلوبه في الخداع. وتمنح التسجيلات فرصة نادرة للاطلاع على الكواليس الداخلية لعمليات الاحتيال، إذ تُظهر كيف شنّ ريغان هجوماً متعدد الجوانب على عواطف العملاء عبر اللعب على نقاط ضعفهم وحاجتهم للمال ورغبتهم الشديدة في التصديق.

استغلال نفسي مدروس

تكشف تجربتان عمق الأسلوب النفسي الذي اعتمده ريغان: في الأولى، طمأن محارباً قديماً من حرب فيتنام يبلغ 75 عاماً ويستثمر أيضاً لحساب صديق مسن مصاب بألزهايمر، بأن هذا "الاستثمار مقدّس"، قبل أن يصف نفسه بعبارات دينية مؤثرة دفعت الرجل لاستثمار 600 ألف دولار إضافية. وفي الثانية، استثمرت سيدة تبلغ 71 عاماً عملت طوال حياتها في وظيفتين أكثر من 150 ألف دولار، بعد أن خاطبها ريغان بعبارات "دينية" قائلاً إن "أموالها ستعمل بدلاً عنها".

في مكالمات أخرى، زعم ريغان أن جهات حكومية "صادقت" على عروضه، وهو تصريح تصفه "هيئة الأوراق المالية والبورصات بأنه جريمة جنائية بحد ذاته"، مؤكداً أن "جميع المدفوعات، رأس المال والفوائد معاً، مضمونة حتى لو انهارت شركاته".

كما نسج مراراً قصصاً خيالية حول استثماراته، فادّعى أنه يدير عملية دولية لتعدين الذهب وتداوله، وأخبر المستثمرين أنه يشتري وثائق تأمين صحي بأسعار مخفضة، زاعماً أن هذه الاستراتيجيات مجتمعة تولّد دخلاً سنوياً "مضموناً". 

واستغل ريغان ضعف خبرة فريق مبيعاته في الاستثمار، إذ استثمر بعضهم أموالهم الخاصة التي بلغت مجتمعة عدة ملايين من الدولارات، وباع مع شريكه جوناثان غوزمان، لوكلائه قوائم بأسماء عملاء محتملين بسعر يقارب 1800 دولار لكل 20 اسماً، مُصفّاة لتشمل فقط من تجاوزوا 55 عاماً ويملكون أصولاً لا تقل عن 100 ألف دولار ، مما يكشف أن اختيار الضحايا كان مدروساً اقتصادياً بدقة.

مكافآت لشراء الولاء

لتحفيز فريق مبيعاته، نظّم ريغان في مارس (آذار) 2024 رحلة استجمام لثلاثة أيام في مدينة ميديلين الكولومبية، شارك فيها عشرات الوكلاء الأمريكيين، تضمنت عروضاً مالية وحفلات استمرت لساعات طويلة، لكن خلف هذا المظهر الودي، كان ريغان يطلب طاعة مطلقة من فريقه، وعومل أي شك أو استفسار من أحد الوكلاء بشأن شرعية العمليات باعتباره "خيانة" تستوجب عقاباً فورياً.

هل تتسبب "ضريبة الثروة" بهجرة الاستثمارات من بريطانيا؟ - موقع 24حذرت منظمات أعمال بريطانية من أنّ أي توجه لرفع الضرائب على الثروة أو زيادة ضريبة أرباح رأس المال قد يوجه ضربة كبيراً للاقتصاد البريطاني، ويقوض جاذبية المملكة المتحدة للاستثمار، وسط تصاعد الدعوات داخل حزب العمال لتشديد الضرائب على أصحاب الثروات.

وبحلول أواخر عام 2024، كان ريغان قد اختلس ما لا يقل عن 50 مليون دولار من أصل 63 مليون دولار جمعها، وفقاً لهيئة الأوراق المالية والبورصات. 

ومن المقرر أن يصدر الحكم على ريغان في أغسطس (آب) المقبل، وبرغم أن اتفاق إقراره بالذنب يلزمه بدفع تعويضات كاملة، لا يزال من غير الواضح كم من هذه الأموال سيستردّه المستثمرون فعلياً.

ولا تُعد قضية ريغان حالة استثنائية، بل نموذجاً متكرراً لظاهرة اقتصادية واسعة تكشف هشاشة حماية المستثمرين الأفراد، خصوصاً كبار السن، فبحسب تقديرات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC)، بلغت كلفة الاحتيال المالي الذي يستهدف كبار السن نحو 81.5 مليار دولار خلال عام 2024 فقط، بعد أن قفزت الخسائر المعلنة لفئة من تتجاوز أعمارهم 60 عاماً بنسبة 300% منذ عام 2020، من 600 مليون دولار إلى 2.4 مليار دولار في 2025.

وما يميز حالة ريغان اقتصادياً في أنه لم يخدع المستثمرين مباشرة فقط، بل بنى "جيشاً" من نحو 40 وكيل تأمين، عرض عليهم عمولات قد تصل إلى 15% من قيمة كل استثمار يجلبونه، وهي نسبة مرتفعة بشكل غير معتاد، وإشارة تحذيرية ينبغي أن تثير شكوك أي مستثمر، لأن العمولات المرتفعة غالباً ما تموَّل من أموال المستثمرين الجدد لا من أرباح حقيقية.