يبدو أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، لم تكن مجرد عودة دبلوماسية لبلد عاش 13 سنة في عزلة دولية. إذ تؤشر الظلال الاقتصادية المصاحبة إلى دخول مُبكر إلى سوق لم تضع قواعدها النهائية بعد. فخلف المشهد السياسي الكبير خريطة اقتصادية أبرز معالمها مرفأ على البحر المتوسط، مطار يحتاج إلى تشغيل، طاقة تبحث عن تمويل، بنوك في حاجة إلى ثقة وشركات أوروبية تراقب بلداً تُقدر كُلفة إعادة إعماره مئات المليارات.

الرئيس الفرنسي اصطحب معه قادة أعمال، بينهم ممثلون لشركتي TotalEnergies وCMA CGM، في زيارة جعلت إعادة الإعمار أحد محاورها الرئيسة. تتزامن الزيارة مع تقديرات البنك الدولي بأن كلفة إعادة إعمار الأصول المادية في سوريا قد تصل إلى 216 مليار دولار، تشمل 75 مليار دولار للمساكن، 59 مليار دولار للعقارات غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.

  • الألفي: المرافئ واللوجستيات أسرع أبواب الاختراق الفرنسي في سوريا.. أما الطاقة والبنية التحتية فتبقى رهينة التمويل والمخاطر القانونية

  • بودن: سوريا قد تتحول إلى ممر استراتيجي للطاقة نحو أوروبا.. لكن ذلك يبدأ بإصلاح القانون والعملة وإعادة بناء الثقة الاقتصادية

  • سامر حسن: شهية المستثمرين تجاه سوريا كبيرة في الإعمار والطاقة والسياحة.. لكن الأمن والقانون والعقوبات ستحدد سرعة تدفق الأموال

ورغم أهمية البوابة الاقتصادية، إلا أن قراءة الزيارة من خلالها فقط لا يكفي، في دولة ظلت لخمسة عقود حليفا اقتصادياً لروسيا ثم إيران على حساب التنوع الجيوسياسي وميكانزمات السوق.  

فالأمر، كما يقول خبير الاقتصاد السياسي الدكتور محمد الألفي لـ"24"، يتجاوز التصريحات البروتوكولية نحو ما يسميه "تضارباً استراتيجياً محسوباً" بين طموحات الإعمار ومخاطر الماضي. ويرى الألفي أن فرنسا تتحرك "لحجز موقع متقدم في سوريا الجديدة، لكنها تتحرك أيضاً وهي تدرك أن السوق السورية ليست صفحة بيضاء، بل ساحة تتداخل فيها الكثير من العوامل".

لماذا سوريا الآن؟

السؤال الاقتصادي الأهم هنا لا يتصل بزيارة الرئيس الفرنسي ذاتها، بل بتوقيتها، لماذا دمشق الآن؟ الإجابة تظهر في طبيعة القطاعات التي حضرت في الزيارة، بدءاً من النقل والمرافئ، مروراً بالطاقة والتمويل، المياه، الصحة وانتهاءً بالطيران. وبحسب وكالة الأنباء السورية "سانا"، وقعت سوريا وفرنسا خلال الزيارة "سلسلة اتفاقيات ومذكرات تفاهم تغطي الاستثمار والبنية التحتية والنقل والرعاية الصحية والقطاع المصرفي والتطوير المؤسسي، إلى جانب إعلان شراكة استراتيجية في النقل البحري والجوي واللوجستيات". وتشمل الاتفاقيات أيضا مظلة البنك المركزي السوري، التعاون التجاري، الطيران المدني  وإدارة الشحن الجوي.

ويقول أستاذ القانون الدولي التجاري الدكتور مجيد بودن، في حديث لـ"24"، إن الزيارة "حملت 3 أهداف متداخلة؛ أولها توجيه رسالة بأن التفجيرات والأعمال الإرهابية لن تمنع التعاون مع سوريا أو بناء اقتصادها الجديد، وثانيها التأكيد على أن إعادة البناء يجب أن تقوم على احترام مكونات المجتمع السوري كافة، أما الثالث فيتعلق بإعادة هيكلة الوضع الاقتصادي على أساس سياسي وقانوني جديد، يقوم على الضمانات، استعادة الحقوق وبناء منافسة نزيهة في المناقصات والتراخيص ومشاريع الدولة".

المرافئ أولاً

ويبدو أن قطار النقل واللوجستيات هو الأسرع في الاختراق الفرنسي؛ إذ حصلت شركة الشحن الفرنسية "CMA CGM" قبل الزيارة على موقع متقدم في البنية البحرية السورية. وذكرت "رويترز" أن سوريا وقعت في مايو (أيار) 2025 عقداً مدته 30 عاماً مع هذه الشركة لتحديث وتشغيل ميناء اللاذقية، باستثمار 230 مليون يورو، يتضمن بناء رصيف جديد أعمق وأطول لدعم حركة الميناء.

ولاحقاً، توسع الحضور الفرنسي من البحر إلى الداخل السوري. ففي مايو (أيار) الماضي، ذكرت "رويترز" أن سوريا وقعت اتفاقاً مع "CMA CGM" لتشغيل ميناءين جافين في منطقتي عدرا قرب دمشق وحلب، بالتزامن مع إطلاق تجربة قطار شحن بين ميناء اللاذقية وعدرا بعد توقف 14 عاماً بسبب الحرب. وخلال زيارة ماكرون الثلاثاء، أعلنت الرئاسة الفرنسية أن اتفاقاً جديداً مع الشركة يشمل إدارة الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي.

يرى الألفي أن هذا القطاع هو الأسرع والأكثر جدوى بالنسبة للشركات الفرنسية، لأنه لا يزال أقل تعقيداً من الطاقة والتمويل. كما أن العقود فيه بدأت "بالفعل تتحول إلى تنفيذ"، مضيفاً أن فرنسا "لا تدرس السوق السورية فقط، بل تنفذ عقوداً فعلية في الموانئ والمطارات والمناطق اللوجستية".

ويبدو أن ميناء اللاذقية ليس مجرد أصل سوري يحتاج إلى تطوير، بل بوابة اقتصادية تطل على شرق المتوسط، في وقت سيحتاج إعادة الإعمار فيه إلى ممرات للحديد والإسمنت والمعدات والآلات والسلع. وهذه كلها تمر أولاً عبر الموانئ، ثم عبر الموانئ الجافة والسكك وشبكات التخزين والجمارك.

هل تعود الطاقة الفرنسية؟

القطاع الثاني هو الطاقة، لكنه أقل سهولة وأكثر تعقيداً. إذ تفيد "رويترز" بأن TotalEnergies الفرنسية وQatarEnergy وConocoPhillips وقعت مذكرة تفاهم مع شركة النفط السورية لإجراء مراجعة فنية للمنطقة البحرية رقم 3 قرب اللاذقية، تمهيداً لاحتمال استكشاف تجاري. وتشير الوكالة إلى أن TotalEnergies كانت تعمل في سوريا قبل 2011، قبل أن تغادر بسبب العقوبات الأوروبية.

وفي هذا السياق يقول الألفي إن الطاقة والبنية التحتية تمثلان "الطموح الكبير مقابل التمويل المحدود"، موضحاً أن دمشق تريد استكشاف الطاقة في المياه الإقليمية وتطوير شبكات الكهرباء والمياه، ولفت إلى أن ماكرون تحدث عن شراكات في الطاقة والمصارف، لكنه أردف أن "التمويل الفرنسي المباشر سيظل"، بحسب تقديره، "مشروطاً ومعقداً، خصوصاً في ظل التصنيف الائتماني والمخاطر القانونية والسياسية".

أما بودن فيشير إلى زاوية استراتيجية أوسع، إذ يرى أن الطاقة لا تقتصر على التنقيب أو تشغيل الحقول، بل تشمل أيضاً "موقع سوريا المحتمل في مسارات نقل الطاقة من الخليج إلى أوروبا"، لافتاً إلى أن "الدروس المستخلصة من أزمات مضيق هرمز تجعل البحث عن ممرات بديلة للطاقة أكثر إلحاحاً، وأن الجغرافيا السورية قد تمنحها موقعاً مهماً في أي تصورات مستقبلية لخطوط عبور نحو المتوسط أو تركيا".

العقدة المالية

العقدة المالية تبدو هي الأكبر، لأنه حال حضور الشركات ستبقى المشكلة في المال، إذ أنه من المشكوك أن تتعامل البنوك الأوروبية مع سوريا دون مخاوف. وتذكر "رويترز"، بأن سوريا شاركت في مايو (أيار) الماضي في جلسة مغلقة مع وزراء مالية ومحافظي بنوك مركزية من مجموعة السبع في باريس، في إشارة إلى عودتها التدريجية إلى النظام المالي العالمي. لكنها توضح أن "التعافي لا يزال بطيئاً بسبب مخاوف المستثمرين والبنوك من مخاطر الامتثال وصعوبة إعادة ربط سوريا عملياً بالنظام المالي الدولي".

مقصلة العقوبات  

في ذات السياق، رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية على سوريا في مايو (أيار) 2025 دعماً للتعافي والانتقال، لكنه أبقى إجراءات تستهدف أفراداً وكيانات مرتبطة بالنظام السابق وملفات أمنية، وفق "رويترز".

كما تشير وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن واشنطن أزالت العقوبات الأمريكية على سوريا "اعتباراً من يوليو (تموز) 2025، مع بقاء عقوبات على بشار الأسد وشركائه ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار الكبتاغون والجهات المرتبطة بداعش والقاعدة وإيران ووكلائها".

كل هذه الأمور تفسر جانباً من الحذر. إذ يرى الألفي، أن قطاع التمويل والمصارف "استراتيجي لكنه معقد"، وأن إعلان فرنسا بدء عملية إعادة 51 مليون يورو من أصول مصادرة لعائلة رفعت الأسد (عم الرئيس السابق)، إلى جانب تقديم مساعدة فنية للبنك المركزي السوري، "يمثلان خطوات رمزية مهمة لإعادة الثقة، لكنها لا تعني تدفقاً تمويلياً كبيراً في المدى القصير". 

ويؤكد خبير الاقتصاد السوري سامر حسن، في حديث لـ"24"، أن تحويل العلاقات الدبلوماسية إلى استثمارات فعلية يحتاج إلى عمل متزامن على أكثر من محور، لكنه يضع "إنفاذ القانون" في المقدمة، مضيفاً أن النظام السابق رسخ على مدى عقود حالة من الفوضى والاستهتار بالقانون مست مصالح المواطنين وصغار الكسبة وكبار المستثمرين، وإن ترسيخ هيبة الدولة وتطبيق القانون بصرامة سيخلقان بيئة أكثر ملاءمة لعودة اللاجئين وضخ الاستثمارات.

ويتابع حسن أن الاستقرار الداخلي لا ينفصل عن السياسة الخارجية، إذ تحتاج سوريا إلى علاقات متوازنة مع دول الجوار، بما يعزز الثقة في وحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشيراً إلى أن استمرار بعض القيود والعقوبات، وخصوصاً بقاء سوريا على لائحة الدول الراعية للإرهاب في الولايات المتحدة، قد يعرقل التمويل والاستثمار والاستيراد، حتى مع تحسن العلاقات السياسية.

أزمة لافارج

في المقابل، لا تحضر المخاطر الأمنية وحدها في حسابات الشركات الفرنسية، فهناك أيضاً ذاكرة قانونية ثقيلة تُسمى "لافارج"، ففي أبريل (نيسان) 2026، قالت "رويترز"، إن محكمة في باريس أدانت شركة "لافارج" التي استحوذت عليها مجموعة "هولسيم" السويسرية بتهم تمويل الإرهاب وخرق العقوبات الأوروبية، على خلفية إبقاء مصنعها في سوريا عاملاً خلال الحرب، كما ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن المحكمة أدانت الشركة وعدداً من مسؤوليها السابقين في قضية تتعلق بمدفوعات لجماعات مسلحة في سوريا بين 2013 و2014.

لهذا السبب، يتحدث الألفي عن "أزمة لافارج الخفية" التي قد تظل حاضرة في قرارات الشركات، قائلاً إن أي شركة فرنسية تفكر في الاستثمار بسوريا ستنظر ليس فقط إلى العائد المتوقع، بل أيضاً إلى احتمالات المساءلة القانونية، ومخاطر التعامل مع وسطاء محليين، وتعقيدات المناطق التي لم يكتمل فيها الاستقرار.

الأمن.. الكلفة الخفية

جاءت التفجيرات في دمشق لتضع كلفة الأمن في قلب الزيارة نفسها، لا على هامشها، إذ قالت وكالة "أسوشيتد برس"، إن انفجارين وقعا في العاصمة السورية خلال زيارة ماكرون، وأسفرا عن إصابة 18 شخصاً على الأقل، بينما كان الرئيس الفرنسي داخل القصر الرئاسي في اجتماع مع الرئيس أحمد الشرع، وأكد مسؤول من الإليزيه أن الاجتماع استمر وأن ماكرون كان آمناً.

لكن الرسالة الأهم جاءت من داخل الوفد الاقتصادي نفسه، فالرئيس التنفيذي لشركة TotalEnergies باتريك بويانيه قال، بحسب "رويترز"، إن ما حدث في مضيق هرمز يجعل سوريا أكثر أهمية كممر بديل، موضحاً أنه إذا أرادت الشركات تصدير النفط من العراق نحو البحر المتوسط، فسيكون على هذا النفط أن يعبر الأراضي السورية. لكنه استدرك بأن الوضع الأمني لا يسمح بذلك حالياً، وأن الشركة لا تستطيع إرسال فرقها إلى مناطق لم تصبح آمنة بعد.

وفي تصريحات نقلتها وكالة "فرانس برس" من دمشق، قال بويانيه إن سوريا يمكن أن تصبح "دولة عبور مهمة" للنفط القادم من العراق إلى البحر الأبيض المتوسط، وأن توفر مسارات بديلة عن مضيق هرمز، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة "الصبر والواقعية"، بعد حرب أهلية طويلة، مضيفاً أن الحكومة السورية تحتاج إلى وقت لبسط سيطرتها على البلاد. كما أوضح أن TotalEnergies ستبحث مع نظرائها السوريين إمكانية الانتقال من مذكرة التفاهم الأولية إلى اتفاق، لكنها لا تملك حتى الآن مشروعاً محدداً آخر في البلاد.

ويرى بودن أن تثبيت موعد الزيارة رغم التفجيرات كان في ذاته رسالة سياسية واقتصادية، مفادها أن الإرهاب لا ينبغي أن يوقف بناء سوريا الجديدة أو التعاون مع أوروبا وفرنسا.

ماذا تريد دمشق؟

بتحليل الخطاب السوري الرسمي تبدو أولويات دمشق واضحة، وهي الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ على الأرض، فخلال منتدى اقتصادي عُقد في القصر الرئاسي بحضور ماكرون ورؤساء شركات فرنسية كبرى، دعا الرئيس السوري أحمد الشرع إلى بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص السوري، قائلاً إن الأهم هو الانتقال من مذكرات النوايا إلى عقود تنفيذية بجداول زمنية محددة.

لكن ما تحتاجه دمشق لا يقتصر على الشركاء، فبحسب بودن، فإن إعادة بناء الاقتصاد يجب أن تبدأ بإصلاحات قانونية ومالية تسمح باسترجاع الأملاك التي انتُزعت أو صودرت، وبإعادة بناء المنافسة النزيهة بعد سنوات من اقتصاد المنافع والقرب من السلطة، مشدداً على "ضرورة إصلاح النقد والعملة حتى لا تنهار القوة الشرائية، وفتح السوق تدريجياً بطريقة سلسة وسريعة نسبياً".

ويضيف بودن أن سوريا تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء البنية التحتية الأساسية، من المياه والصرف والكهرباء والاتصالات والإنترنت، إلى إعادة تشغيل المصانع وبناء قدرات إنتاجية تسمح بالاكتفاء الذاتي وتصدير منتجات أعلى قيمة، كما يرى أن لدى سوريا كفاءات بشرية يمكن أن تجعلها، في المستقبل، جزءاً من سلاسل التكنولوجيا والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، إذا توافرت البيئة القانونية والاستثمارية المناسبة، أما سامر حسن فيرى أن زيارة ماكرون قد تشكل عاملاً إيجابياً إضافياً لدفع المستثمرين إلى دراسة الفرص السورية، خصوصاً في الإعمار والسياحة والبنية التحتية الأساسية والمتقدمة والطاقة، ولكنه يربط ذلك صراحة بقدرة الدولة على ضبط القانون، وبالرفع الكامل للقيود التي قد تؤخر التمويل والاستيراد وتدفقات رأس المال.

وبالنظر إلى الأمور بشكل عام، تبدو زيارة ماكرون كاختبار مبكر لسوريا باعتبارها سوقاً محتملة لإعادة الإعمار، كما أنها اختبار لفرنسا باعتبارها دولة تريد استعادة موقعها الاقتصادي في منطقة شرق المتوسط قبل أن يسبقها آخر.