تدخل أسواق الطاقة مرحلة خطرة مع استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، وتعطل جزء كبير من إمدادات النفط والغاز والمنتجات المكررة عبر مضيق هرمز – الممر الذي تمر عبره خُمس الإمدادات العالمية - تزامناً مع تحذيرات وكالة الطاقة الدولية من اتجاه السوق نحو مرحلة حرجة خلال الأشهر المقبلة، في ظل تراجع التدفقات، وتواصل السحب من المخزونات، وارتفاع الطلب. 

ولا يقتصر الخطر حالياً على كمية النفط المتاحة، بل يمتد إلى مخزونات الديزل والبنزين ووقود الطائرات، التي تعتمد عليها المصانع وشركات النقل والمستهلكون بصورة مباشرة. 

وتشير وكالة الطاقة الدولية في أحدث تقاريرها إلى أن "التحسن الظاهر في إجمالي المخزونات العالمية لا يعكس بالضرورة تحسناً حقيقياً في أمن الإمدادات، إذ ترتفع المخزونات خلال يونيو (حزيران) بـ 21 مليون برميل نتيجة زيادة كميات النفط الموجودة على متن السفن، في وقت تستمر فيه السحوبات من الخزانات البرية بنحو 96 مليون برميل".

وتشدد الوكالة على أن استعادة الاستقرار الحقيقي تبقى مرهونة بعودة الملاحة بصورة كاملة عبر مضيق هرمز، في وقت تنخفض فيه المخزونات العالمية (الكميات المسحوبة) منذ بداية الأزمة بمتوسط 3.8 مليون برميل يومياً، ما يسرّع استنزاف شبكة الأمان التي بنتها الدول المستهلكة لمواجهة صدمات الإمدادات.

صدمة فبراير واشتعال يوليو.. كيف غيّرت حرب إيران سلوك أسواق النفط؟ - موقع 24تحولت أسواق النفط العالمية منذ مطلع 2026 إلى مرآة تعكس مباشرةً حرارة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك عودة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز.

سوق الوقود الحلقة الأخطر

بحسب تحليل لوكالة "رويترز"، تفقد سوق التكرير العالمية نحو 5 ملايين برميل يومياً من إنتاجها، وتقترب مخزونات البنزين والديزل من أدنى مستوياتها منذ سنوات. في المقابل، تقفز هوامش الديزل الأوروبية إلى نحو 65 دولاراً للبرميل، وتصل هوامش التكرير في شمال غربي أوروبا إلى 30  دولاراً للبرميل، ما يعكس منافسة متزايدة للحصول على كميات محدودة من الوقود.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن "أسواق الديزل ووقود الطائرات تبقى الأكثر تعرضاً للخطر عند استمرار فقدان صادرات الشرق الأوسط، بسبب محدودية القدرة على زيادة الإنتاج من مناطق أخرى".

حرب إيران "تُرهق" شركات طيران أوروبية وتدفعها لإعادة الهيكلة - موقع 24مع عودة الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران وارتفاع أسعار النفط، يرى مستثمرو شركات الطيران والمسؤولون التنفيذيون في القطاع مؤشرات متزايدة على اتجاه شركات الطيران الأوروبية الأضعف مالياً نحو عملية إعادة هيكلة.

ضرر مباشر على أوروبا 

تبدو أوروبا في مقدمة الاقتصادات المتضررة من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، نتيجة اعتمادها على الوارادات لتلبية احتياجات قطاعات النقل والصناعة والطيران، حسب ما ذكرت وكالة الطاقة الدولية.

وتوضح الوكالة أن الطلب الأوروبي على وقود الطائرات يقترب من ذروته الصيفية بنحو 1.8 مليون برميل يومياً، ما يفرض على المصافي الأوروبية الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة لتجنب حدوث نقص حاد في السوق.

ولا تتوقف التداعيات عند حدود الطاقة بل تمتد إلى الاقتصاد الأوسع، إذ تؤدي زيادة أسعار الديزل إلى رفع تكاليف النقل البري والزراعة والصناعات الثقيلة. في المقابل، يضغط ارتفاع أسعار الوقود على شركات الطيران والسياحة، وينتقل أثره إلى أسعار الغذاء والسلع، ما يزيد التضخم ويضعف القوة الشرائية للأسر.

وتتزامن ضغوط الإمدادات مع موجات الحر التي ترفع الطلب الأوروبي على تشغيل أنظمة التبريد، في وقت تتعرض فيه بعض مصادر الإنتاج للضغط، ما يسرّع استنزاف المخزونات ويزيد مخاطر ارتفاع الأسعار خلال ذروة الصيف، وفق شبكة "سي إن بي سي". 

ويقدر البنك المركزي الأوروبي أن تعطل إمدادات الطاقة يخفض نمو منطقة اليورو بنحو 0.3 نقطة مئوية في عامي 2026 و2027، ويرفع التضخم 0.9 نقطة مئوية عند الذروة. 

من جانبها، تخصص المفوضية الأوروبية نحو 14.5 مليار يورو لتخفيف أثر أسعار الطاقة على الأسر والشركات. وتشير إلى أن استمرار إجراءات الدعم حتى نهاية العام، يرفع التكلفة المحتملة إلى 38.6 مليار يورو. 

كيف تتحول "شمس أوروبا" إلى درع لمواجهة الحر وأزمات الطاقة؟ - موقع 24تخلق موجة الحر في أوروبا فرصاً لتعزيز إنتاج الطاقة الشمسية، وسط قفزة أسعار النفط والغاز واضطراب ممرات الشحن الدولية. في المقابل، تظل الاستفادة الأوروبية محدودة؛ إذ تقابل ذروة الإنتاج النهارية طفرة في استهلاك الكهرباء لأغراض التبريد، ما يتسبب في فجوة حادة بالمعروض والأسعار فور غروب الشمس.

السوق يقترب من المنطقة الحمراء 

في ذات السياق، يحذر ديفيد روش، الخبير والاستراتيجي لدى مؤسسة "كوينتوم ستراتيجي"، من أن سوق الخام العالمي يدخل مرحلة متزايدة من الشح، مع تراجع صادرات النفط من منطقة الخليج واستمرار السحب من المخزونات لتعويض البراميل المفقودة.

ويقول روش في مذكرة تحليلية نقلتها شبكة "سي إن بي سي": إن "استمرار معدل الاستنزاف الحالي يدفع مخزونات النفط إلى مستويات شديدة الضيق بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل، ولا يستثني ذلك الولايات المتحدة التي تتعرض بدورها لضغوط اقتصادية مع تراجع مخزوناتها وارتفاع تكلفة الوقود".

ويرى روش أن وصول الأزمة إلى الداخل الأمريكي يزيد الضغوط السياسية على الرئيس دونالد ترامب، للتراجع عن التصعيد أو الوصول إلى تسوية تعيد تدفقات النفط بصورة مستقرة. 

وتنسجم رؤية روش مع تحذيرات وكالة الطاقة الدولية من اقتراب النظام النفطي العالمي من "المنطقة الحمراء"، نتيجة تقلص المخزونات وارتفاع الطلب الموسمي. كما تشير شبكة "سي إن إن" الأمريكية إلى لجوء العديد من الدول إلى مخزوناتها النفطية، لتعويض فقدان أكثر من مليار برميل منذ بداية الصراع، في وقت تواصل فيه الإمدادات العالمية بالانكماش.

وتحذر مراسلة الأمن القومي في الشبكة، نانسي يوسف، من أن استمرار تعطل شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، يدفع أوروبا نحو أزمة اقتصادية أوسع.

وتجعل هذه التحذيرات من سبتمبر (أيلول) المقبل، نقطة اختبار لقدرة الاقتصادات الغربية على مواصلة تعويض النقص. وتشير تقديرات مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية إلى أن استمرار القيود لفترة طويلة سيدفع النفط إلى 180 دولاراً للبرميل، والغاز الأوروبي إلى قرابة 80 يورو لكل ميغاواط/ساعة، في سيناريو شديد الضغوط.