ترتفع فاتورة الاقتراض على بعض أكبر اقتصادات العالم إلى مستويات لم تشهد منذ أعوام طويلة، في وقت يجد فيه المستثمرون أنفسهم أمام ثلاثة مصادر قلق متزامنة: تضخم يهدد بالاستمرار أو التصاعد مجدداً، وديون حكومية متضخمة أصلاً، ومبالغ فلكية تُضخ في الذكاء الاصطناعي.

وبحسب وكالة رويترز، بلغ عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً 5.268%، اليوم الأربعاء، متراجعاً من أعلى مستوى له في نحو 20 عاماً، فيما بلغ عائد السندات لأجل 10 أعوام 4.686%، وسط تحركات في الأسواق العالمية.

وتُعرف أسعار الفائدة على السندات، وهي نوع من أنواع الدين، بـ"العوائد"، ويمكن أن تؤثر مباشرة على تكاليف الاقتراض التي يتحملها المستهلكون على القروض العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان.

"محضر الفيدرالي" يختبر رهانات الأسواق على الفائدة - موقع 24تتجه أنظار المستثمرين والصناديق الاستثمارية حول العالم، اليوم الأربعاء، صوب العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث يستعد مجلس الاحتياطي الفيدرالي لإصدار محضر اجتماعه الأخير.

أولاً: لماذا ترتفع العوائد عالمياً؟

النفط يقود الموجة

يُعد ارتفاع أسعار النفط المحرك الرئيسي وراء هذه القفزة الأخيرة في عوائد السندات، إذ يخشى المستثمرون من احتمال تجدد ارتفاع التضخم. وفي حال حدث ذلك، فستختار البنوك المركزية رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم.

وأدى إغلاق المضيق بصورة شبه كاملة لقرابة 6 أشهر، بفعل الحرب الأمريكية الإيرانية، إلى خنق إمدادات النفط ودفع أسعاره للارتفاع. وهذا الارتفاع لا يقتصر أثره على محطات الوقود فحسب، وإنما يتسلل تدريجياً إلى كل حلقة من حلقات الإنتاج والنقل، إذ تُجبر الشركات على تمرير هذه الكلفة الإضافية إلى المستهلك في نهاية المطاف، فيرتفع التضخم في الأسواق كافة

وبحسب رويترز، اليوم الأربعاء، صعدت العقود الآجلة لخام برنت 42 سنتاً، أو 0.5%، إلى 91.44 دولاراً للبرميل، وارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 51 سنتاً، أو 0.6%، إلى 85.45 دولاراً للبرميل، بعدما بلغ الخامان عند التسوية، أمس الثلاثاء، أعلى مستوياتهما في أكثر من ثلاثة أسابيع.

تحذيرات المحللين

وقال جون كانافان، كبير المحللين في "أوكسفورد إيكونوميكس"، لـ"بي بي سي"، إن مخاطر التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب المستويات المرتفعة للدين الحكومي، وحالة عدم اليقين المحيطة بالمبالغ الضخمة المستثمرة في الذكاء الاصطناعي وموعد جني ثمارها، كلها عوامل تسهم في ارتفاع تكاليف الاقتراض.

وأوضح أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة على القروض العقارية وقروض السيارات للمستهلكين، محذراً من أن ارتفاع العوائد يعني اضطرار الشركات لدفع تكلفة أعلى لاقتراض الأموال، وربما تمرير ذلك إلى العملاء.

وقال كانافان: "المخاطرة على المدى الأطول تتمثل في أن ارتفاع التضخم قد يبطئ النمو الاقتصادي".

وإلى جانب مخاوف التضخم، أشار إلى أن مستثمري السندات حول العالم أبدوا "تراجعاً" في ثقتهم تجاه السياسات المالية وخطط الإنفاق العامة لعدد من الحكومات.

الدين الأمريكي يلامس 40 تريليون دولار وسط ارتفاع كلفة التمويل - موقع 24 تقترب ديون الولايات المتحدة من تجاوز حاجز 40 تريليون دولار، في وقت تواجه فيه واشنطن كلفة متزايدة لتمويل عجز الموازنة وإعادة تمويل الديون المستحقة، مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى لشراء السندات الحكومية طويلة الأجل، وفق تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

بريطانيا و "القواعد المالية"

ووفقاً لـ"بي بي سي"، دفع الوضع المالي البريطاني ومستويات الاقتراض رئيس الوزراء آندي بيرنهام لطمأنة أسواق السندات بأنه ملتزم بالتقيد بحدود الاقتراض الحالي، المعروفة بـ"القواعد المالية". وارتفعت تكاليف الاقتراض عندما تولى بيرنهام قيادة حزب العمال من كير ستارمر هذا الصيف، إذ كان المستثمرون يرون سابقاً أنه أكثر ميلاً لزيادة الاقتراض العام البريطاني المرتفع أصلاً.

وقال اقتصاديون في "كابيتال إيكونوميكس"، في مذكرة، إن أكبر الارتفاعات في كلفة الاقتراض طويل الأجل تُشهد في "الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان"، إذ تُعد الآفاق المالية الأكثر إشكالية بدرجات متفاوتة. وأضافوا أن الوضع لا يمثل "أزمة في سوق السندات"، لكن هناك أسباباً منطقية تدفع المستثمرين لطلب عوائد أعلى:

  • تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي والتضخمي.
  • تساؤلات حول السياسة النقدية الأمريكية.
  • أوضاع مالية غير مستدامة.

اقتراض قياسي لتمويل الـ"AI"

وقال كانافان إن تكاليف الاقتراض طويل الأجل في الولايات المتحدة تُدفع أيضاً بوتيرة "قياسية" من الاقتراض المؤسسي خلال الأسابيع الأخيرة، معظمها لتطوير وبناء بنية الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، في ظل حالة عدم يقين محيطة بمئات مليارات الدولارات المُضخة في القطاع.

وقالت كيم فورست، كبيرة مسؤولي الاستثمار في "بوكيه كابيتال بارتنرز": "تُقلق العوائدُ الناس لأنها تُنذر ببيئة أكثر تشدداً، وستكون كلفة اقتراض المال أعلى.. خصوصاً في ظل كل هذا الغموض المحيط بقطاع الذكاء الاصطناعي، إذ يظل موعد استرداد هذه الاستثمارات غير مؤكد".

من يدفع الثمن؟

يحمل هذا الارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض العالمي أبعاداً اقتصادية عميقة تلقي بظلالها على الحكومات والشركات والأفراد، وفقاً لتقارير نشرتها مؤسسات إعلامية عالمية بارزة، من بينها "رويترز"، و"بي بي سي"، وصحيفتا "وول ستريت جورنال" و"ذا تلغراف"

فعلى صعيد الموازنات الحكومية، نقلت "ذا تلغراف" أن هذه الارتفاعات تُعقد حسابات وزراء المالية عالمياً، إذ ستلتهم مدفوعات الفائدة جزءاً ضخماً من الميزانيات على حساب الإنفاق العام. كما أشارت تقارير لموقع "ياهو فايننس" إلى أن ارتفاع الفائدة في اليابان يدفع المستثمرين اليابانيين للاحتفاظ بأموالهم محلياً، بدلاً من شراء الديون الأمريكية.

وأفادت تقارير محللي "باركليز"، عبر "ياهو فايننس"، بأن الشركات تضخ كميات قياسية من السندات طويلة الأجل، من المتوقع أن تصل قيمتها إلى 1.9 تريليون دولار، لتمويل بنية الذكاء الاصطناعي، ما رفع تكلفة المال عالمياً.

وامتد الأثر إلى أسواق الأسهم أيضاً، إذ أوردت "وول ستريت جورنال" تراجع المؤشرات الكبرى بقيادة شركات التقنية، على غرار "ناسداك". كما أدى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية إلى جعل الأصول المقوَّمة بالدولار أكثر جاذبية، ما تسبب في نزيف لعملات أسواق ناشئة، كالروبية الهندية والبيزو التشيلي.

وحذّر محللون، عبر "بي بي سي"، من أن عوائد السندات ستنعكس سريعاً في صورة زيادة بأسعار الفائدة على الرهن العقاري وقروض السيارات وبطاقات الائتمان للأفراد، فيما ستضطر الشركات لتمرير أعباء اقتراضها الأعلى إلى المستهلك، ما قد يُدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة تنتهي بإبطاء النمو الاقتصادي العالمي.

تباطؤ حركة الملاحة في مضيق هرمز وسط استمرار عزوف شركات الشحن - موقع 24أظهرت بيانات، الأربعاء، تباطؤ حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ يتجنب معظم مالكي السفن هذا الممر المائي الحيوي بسبب عدم وجود مؤشرات واضحة على إعادة فتحه، بعد فرض حصار عليه خلال الحرب الجارية.

ثانياً: كيف يتحول النفط إلى تضخم شامل؟

من التضخم "العام" إلى "الأساسي"

ويكمن الخطر الأكبر في انتقال الأثر من التضخم المؤقت الناجم عن تعبئة وقود السيارات إلى السلع والخدمات الأخرى، فيما يُعرف بالتضخم الأساسي. فالنفط شريان الشحن العالمي، والارتفاع الحالي يجبر شركات النقل على فرض رسوم وقود إضافية، ما يرفع أسعار الغذاء والسلع المصنّعة، كما ترتفع مباشرة تكاليف إنتاج البتروكيماويات والأسمدة والأسمنت، وفق تحليل لفرع الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس.

ضغط على مخزونات الطاقة

ويوضح تحليل وكالة الطاقة الدولية وجود ضغط فعلي على المخزونات المادية، إذ وثّقت الوكالة سحب قرابة 69 مليون برميل من المخزونات العالمية في يوليو (تموز) وحده، مع تراجع المعروض بقرابة 4.3 ملايين برميل يومياً لـ2026. ويعني النقص في طاقة التكرير العالمية أن أسعار المشتقات، كالديزل وبنزين الطائرات، ترتفع بمعدلات أعلى من النفط الخام.

معضلة البنوك المركزية

وتجد البنوك المركزية الكبرى نفسها أمام خيار بالغ التعقيد، إذ يهدف رفع أسعار الفائدة إلى كبح الطلب، لكنه لا يمكنه فتح مضيق مغلق أو تكرير برميل نفط إضافي. وتلوح مخاوف من "الركود التضخمي"، في وقت تُسعر فيه الأسواق احتمالية تفوق 55% لرفع الفائدة الفيدرالية في سبتمبر (أيلول).

تباين جغرافي

ولا يتوزع التأثير التضخمي للنفط بالتساوي عالمياً، إذ تعاني اقتصادات مستوردة، كاليابان والهند ودول أوروبا، مما يُوصف بـ"تضخم مزدوج"، لأن النفط مقوَم بالدولار، وارتفاع أسعاره يعزز قوة الدولار كملاذ آمن، ما يعني دفع مبالغ أكبر بالعملات المحلية الأضعف لاستيراد الكمية ذاتها من النفط. أما في أمريكا الشمالية، فينتقل التضخم سريعاً إلى المستهلك عبر أسعار البنزين، ما يضغط على القوة الشرائية للأسر.