تحولت هونغ كونغ خلال العام الجاري، إلى أحد أبرز المراكز العالمية لتجارة الذهب الروسي، في تطور يعكس التحول العميق الذي طرأ على خريطة تجارة المعدن النفيس منذ فرض الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما عقوبات على الذهب الروسي عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا.
أظهرت بيانات التجارة في هونغ كونغ أن كميات الذهب المستوردة من روسيا بلغت قرابة 100 طن خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مسجلة مستوى قياسياً، وتقترب من ثلاثة أمثال الكميات التي استقبلتها المدينة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ويشير هذا الارتفاع الحاد إلى أن العقوبات الغربية لم توقف تدفق الذهب الروسي إلى الأسواق العالمية، وإنما دفعت جزءاً متزايداً من التجارة إلى مراكز آسيوية أقل تشدداً تجاه المعدن الروسي.
من لندن إلى آسيا
كان الذهب الروسي قبل الحرب جزءاً مهماً من منظومة تجارة المعادن النفيسة العالمية، مع اعتماد المنتجين الروس على مراكز غربية رئيسية، وعلى رأسها لندن، لتسويق السبائك وتداولها وتسويتها.
لكن بعد بدء الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، أغلقت الأسواق الغربية أبوابها أمام الذهب الروسي وفرضت الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات على تجارة المعدن، ما دفع شركات التعدين الروسية وتجار الذهب إلى البحث عن مسارات بديلة في الشرق.
وقال ديباجيت ساها، المحلل لدى مجموعة بورصة لندن، إن المنتجين الروس أعادوا توجيه صادراتهم بصورة متزايدة نحو الأسواق الشرقية بعدما أغلقت لندن أبوابها أمام الذهب الروسي عقب اندلاع الصراع الأوكراني.
وتبرز هونغ كونغ في هذا التحول باعتبارها حلقة وصل بين روسيا والصين، إذ لا تطبق المدينة القيود الغربية نفسها على الذهب الروسي، بينما تمتلك بنية مالية وتجارية متطورة تجعلها مركزاً ملائماً لاستقبال السبائك وإعادة تداولها.
هونغ كونغ بوابة إلى السوق الصينية
لا تعني زيادة الواردات الروسية بالضرورة أن الذهب يبقى داخل هونغ كونغ. فجزء كبير من المعدن الذي يدخل المدينة يتجه في نهاية المطاف إلى البر الرئيسي الصيني، ما يجعل هونغ كونغ بوابة تجارية ومالية مهمة أمام الذهب الروسي المتجه إلى أكبر أسواق الذهب في العالم.
وتشير البيانات إلى أن الكميات الروسية المتدفقة إلى هونغ كونغ ارتفعت بصورة متواصلة منذ عام 2022، بالتزامن مع إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين موسكو وبكين في أعقاب العقوبات الغربية.
ومنذ ذلك العام، اشترت جهات في هونغ كونغ ما يقارب 35 مليار دولار من الذهب الروسي، وفق المعطيات التي أوردها تقرير "فاينانشال تايمز"، في مؤشر على الحجم الكبير الذي اكتسبته هذه القناة التجارية خلال فترة قصيرة.
ويأتي ذلك في وقت تعد فيه الصين أحد أكبر منتجي الذهب ومستهلكيه عالمياً، ما يوفر للمنتجين الروس سوقاً ضخمة وقريبة نسبياً مقارنة بالأسواق الغربية التي أصبحت مغلقة أمامهم.
العقوبات أعادت رسم خريطة الذهب
يعكس المسار الروسي الجديد تحولاً أوسع في تجارة الذهب العالمية، فبدلاً من الاعتماد على المراكز التقليدية في لندن ونيويورك، تتنافس مراكز آسيوية بصورة متزايدة على استقطاب تجارة المعدن النفيس وتوفير خدمات التخزين والتسوية والتداول.
وتزامن صعود هونغ كونغ مع سعي المدينة إلى تعزيز موقعها كمركز مالي إقليمي، في وقت تعمل فيه السلطات على تطوير البنية التحتية المرتبطة بتجارة الذهب وتسويته.
ويكتسب هذا الدور أهمية أكبر مع تنامي توجه بعض البنوك المركزية إلى إعادة جزء من احتياطياتها الذهبية إلى داخل حدودها. فقد بدأت دول أوروبية، من بينها فرنسا وهولندا، إعادة الذهب الذي كان مخزناً تاريخياً في لندن ونيويورك، في إشارة إلى تنامي الاهتمام بالسيطرة المباشرة على الاحتياطيات في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
تحديات أمام البنوك الغربية
تدفق الذهب الروسي عبر هونغ كونغ يخلق في المقابل تحديات متزايدة أمام البنوك وشركات التكرير والمؤسسات المالية الغربية التي مطالبة بالتأكد من مصدر الذهب قبل التعامل معه.
فالذهب معدن قابل لإعادة الصهر وإعادة تشكيله وخلطه بذهب من مصادر أخرى، الأمر الذي يجعل تتبع منشأ السبائك أكثر تعقيداً مع انتقالها بين المراكز التجارية المختلفة.
وسبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على كيانات في هونغ كونغ بسبب دورها في تجارة الذهب الروسي، إلا أن هذه الإجراءات لم توقف التدفقات. وتكشف الزيادة الكبيرة في الواردات خلال 2026 أن العقوبات على بعض الشركات أو الوسطاء لم تمنع استمرار المسار التجاري الأوسع بين روسيا وآسيا.