لم تعد أزمة الصحة النفسية في بريطانيا قضية صحية محصورة داخل المستشفيات وعيادات العلاج، بل تحولت إلى مشكلة اقتصادية متنامية تضغط على سوق العمل والمالية العامة، في ظل ارتفاع أعداد الأشخاص الذين يغادرون سوق العمل بسبب مشكلات الصحة النفسية، بالتزامن مع تزايد الطلب على خدمات العلاج وطول فترات الانتظار للحصول على الرعاية.

تكشف الأزمة عن مفارقة اقتصادية لافتة، فكلما تأخر التدخل في علاج المشكلات النفسية، ارتفعت احتمالات تحول الحالات إلى أزمات أكثر تعقيداً، بما يزيد الضغط على هيئة الخدمات الصحية الوطنية "NHS"، ويرفع في الوقت نفسه تكلفة الإعانات الاجتماعية وفقدان الإنتاجية نتيجة خروج أعداد أكبر من القادرين على العمل من سوق الوظائف.

وتشير المعطيات التي يستعرضها تقرير "فاينانشال تايمز" إلى أن عدد وصفات مضادات الاكتئاب في بريطانيا ارتفع بأكثر من الضعف خلال السنوات الـ15 الماضية، في مؤشر على اتساع نطاق المشكلة، بينما تواجه خدمات الصحة النفسية صعوبة في الاستجابة للطلب المتزايد، خصوصاً مع ارتفاع الحاجة إلى العلاج بين الشباب.

سوق العمل يدفع الثمن

أصبح تدهور الصحة النفسية أحد العوامل الرئيسية وراء خروج أعداد متزايدة من البريطانيين من سوق العمل، وهو تطور يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد البريطاني الذي يسعى إلى زيادة معدلات المشاركة في سوق العمل وتقليص أعداد الأشخاص غير النشطين اقتصادياً.

ويعني خروج العاملين أو الباحثين عن وظائف بسبب مشكلات نفسية خسارة مباشرة في الطاقة الإنتاجية، فضلاً عن زيادة الاعتماد على منظومة المساعدات الحكومية والخدمات الصحية والاجتماعية.

وتتضاعف المشكلة عندما يطول غياب الشخص عن سوق العمل، إذ يصبح الرجوع إلى الوظيفة أكثر صعوبة، بينما يمكن أن تتفاقم المشكلات النفسية نتيجة البطالة وفقدان الدخل والاستقرار الاجتماعي. وهكذا تتحول العلاقة إلى دائرة مغلقة: المرض النفسي قد يؤدي إلى البطالة، والبطالة بدورها قد تزيد الضغوط النفسية.

وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف النمو والحاجة إلى رفع الإنتاجية، يصبح التعامل مع الصحة النفسية جزءاً من سياسة سوق العمل، وليس مجرد ملف تابع لوزارة الصحة.

قوائم الانتظار تزيد تكلفة الأزمة

يمثل طول قوائم الانتظار أحد أكبر التحديات التي تواجه المنظومة البريطانية. فالتأخر في الحصول على الدعم المتخصص يعني أن بعض المرضى لا يصلون إلى العلاج إلا بعد تدهور حالتهم ووصولها إلى مرحلة تستدعي تدخلاً أكثر كثافة.

وتؤدي هذه الحلقة إلى زيادة الضغط على أقسام الطوارئ والمستشفيات وخدمات الرعاية المتخصصة، بدلاً من معالجة المشكلة في مراحلها المبكرة عندما تكون التدخلات أقل تعقيداً وأقل تكلفة.

كما أن الانتظار لا يتحمل تكلفته المريض وحده، فكل يوم يقضيه شخص خارج العمل بسبب مشكلة صحية نفسية يمكن أن يمثل خسارة إضافية للاقتصاد، سواء من خلال انخفاض الإنتاج أو زيادة الإنفاق العام على الدعم والرعاية.

ولهذا، فإن تقليص قوائم الانتظار لا ينبغي النظر إليه باعتباره هدفاً صحياً فقط، وإنما استثماراً اقتصادياً يمكن أن يساعد على إعادة الأشخاص إلى سوق العمل قبل أن تصبح عودتهم أكثر صعوبة.

الإنفاق على العلاج يرتفع

تأتي هذه الضغوط في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الأدوية لمعالجة مشكلات الصحة النفسية. إذ ارتفع عدد وصفات مضادات الاكتئاب في بريطانيا أكثر من الضعف خلال 15 عاماً، ما يعكس زيادة كبيرة في الطلب على العلاج الدوائي.

ولا يعني ذلك أن الأدوية غير ضروريةـ فهي تمثل جزءاً مهماً من علاج العديد من الحالات. لكن التحدي يكمن في أن الاعتماد على الدواء وحده لا يعالج بالضرورة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء جزء من حالات الضيق النفسي، مثل الوحدة والعزلة والبطالة والظروف المعيشية الصعبة.

ومن منظور اقتصادي، فإن الوقاية والتدخل المبكر قد يكونان أقل تكلفة من ترك الحالات تتفاقم وصولاً إلى مرحلة تتطلب دخول المستشفى أو رعاية متخصصة طويلة الأمد.

الوحدة والضغوط الاجتماعية.. تكلفة غير مرئية

لا يمكن فصل أزمة الصحة النفسية عن الظروف الاجتماعية التي يعيشها البريطانيون. فالوحدة والعزلة الاجتماعية والضغوط الاقتصادية يمكن أن تسهم في تدهور الصحة النفسية، بينما قد تؤدي المشكلات النفسية نفسها إلى مزيد من العزلة وفقدان العمل والدخل.

وهنا تظهر مشكلة النموذج التقليدي للرعاية، الذي يركز على تشخيص المرض وعلاجه بعد ظهوره، من دون معالجة الظروف التي ساعدت على إنتاج المشكلة.

ومن هذا المنطلق، يطرح التقرير الحاجة إلى توسيع مفهوم العلاج ليشمل التدخلات المجتمعية والوقاية، بدلاً من انتظار وصول المرضى إلى نقطة الأزمة.