دخل استخدام الذكاء الاصطناعي في التوظيف مرحلة رقابية جديدة، بعدما أصدرت المفوضية الأوروبية في يوليو (تموز) 2026 إرشادات لتحديد أنظمة الذكاء الاصطناعي "عالية المخاطر"، تشمل الأدوات المستخدمة في استهداف إعلانات الوظائف، وفرز طلبات التوظيف، وترتيب المرشحين وتقييمهم، وصولاً إلى القرارات المؤثرة في الترقية وإنهاء الخدمة.
ولا يحظر قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي هذه الأنظمة، لكنه يخضعها لمتطلبات مشددة تشمل إدارة المخاطر، وجودة البيانات، وحفظ السجلات، والشفافية، والدقة، والأمن السيبراني، والرقابة البشرية. وجاءت إرشادات المفوضية لتوضيح نطاق التصنيف قبل اكتمال تطبيق الالتزامات التنظيمية الخاصة بهذه الفئة.
وفي الولايات المتحدة، تحظر مدينة نيويورك استخدام أدوات اتخاذ القرار الوظيفي المؤتمتة ما لم تخضع لتدقيق دوري للتحيز، وتُنشر نتائج التدقيق، ويخطر المرشحون باستخدامها. كما حذرت لجنة تكافؤ فرص العمل الأمريكية من أن مسؤولية التمييز تظل قائمة عندما يصدر القرار بمساعدة خوارزمية.
كفاءة تشغيلية أمام قرار مرتفع الحساسية
وتتيح الأدوات المؤتمتة للشركات معالجة أعداد كبيرة من الطلبات، ومطابقة المهارات مع متطلبات الوظيفة، وتقليص الوقت الذي تنفقه إدارات الموارد البشرية في الفرز الأولي. بحسب غسان محمود، مهندس كومبيوتر وخبير في التحول الرقمي، لكن استبعاد سيرة ذاتية آلياً قد يمنع صاحبها من الوصول إلى المقابلة من دون معرفة معيار الرفض أو القدرة على الاعتراض عليه.
ويقول غسان محمود إن "القيمة الاقتصادية لهذه الأنظمة تأتي من خفض تكلفة معالجة الطلب الواحد، وتسريع دورة التوظيف، وتحسين المطابقة بين المهارات والوظائف، خصوصاً لدى المؤسسات التي تستقبل آلاف الطلبات".
ويمكن للذكاء الاصطناعي توسيع قاعدة البحث واكتشاف كفاءات قد لا يصل إليها الفرز التقليدي، لكن هذه الكفاءة تفقد قيمتها إذا حققت الشركة وفراً تشغيلياً برأيه مقابل استبعاد مؤهلين أو تحمل مخاطر قانونية وضرراً بسمعتها.
أربعة ملايين طلب تكشف تفاوتاً في النتائج
وأظهرت دراسة نشرتها جامعة ستانفورد في مايو (أيار) 2026، ووصفت بأنها أول دراسة واسعة النطاق لخوارزميات توظيف مستخدمة فعلياً، تفاوتات عرقية بعد تحليل نحو أربعة ملايين طلب عبر 156 جهة توظيف.
ووجد الباحثون أن 25.87% من طلبات المتقدمين السود، و14.74% من طلبات المتقدمين الآسيويين، قُدمت إلى وظائف أظهرت نتائج الخوارزمية فيها أثراً سلبياً على المجموعة المعنية، وفق معيار الأثر المتفاوت المستخدم في قوانين التوظيف الأمريكية.

ويشرح غسان أن "الخطر لا يبدأ عند إصدار الترتيب النهائي، بل من تعريف الموظف الناجح الذي يتعلم منه النظام. فإذا دربت الخوارزمية على بيانات تاريخية غير متوازنة، قد تعيد إنتاج الاختلال نفسه تحت مظهر قرار تقني ومحايد".
الرقابة البشرية لا تكفي شكلياً
ولا تضمن مراجعة مسؤول التوظيف إزالة الخلل تلقائياً. إذ أظهرت دراسة لجامعة واشنطن، شملت 528 مشاركاً يختارون بين مرشحين متساوين في المؤهلات، أن الأشخاص مالوا إلى محاكاة الانحياز الموجود في توصيات النظام بدلاً من تصحيحه.
ويقول غسان: "وجود إنسان في نهاية العملية لا يمثل رقابة حقيقية إذا اعتمد ترتيب الخوارزمية من دون معرفة أسباب التوصية أو امتلاك صلاحية تجاوزها. الرقابة الفاعلة تتطلب تدريباً على اكتشاف الانحياز، وإتاحة بيانات تفسر النتيجة، وتوثيق الحالات التي خالف فيها المسؤول قرار النظام".
الحماية تبدأ قبل الاستبعاد
تبدأ الحماية، وفق المتطلبات الأوروبية، من اختبار جودة البيانات ومراقبة الأداء وتوفير معلومات تمكن المستخدم من فهم مخرجات النظام، لكن غسان يرى أن الحوكمة داخل الشركات يجب أن تتجاوز الامتثال الشكلي.
ويضيف: "ينبغي إخطار المرشح باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتوفير مسار واضح لطلب المراجعة البشرية، واختبار معدلات القبول والرفض بين الفئات المختلفة، ومنع الاعتماد على مؤشرات غير مرتبطة مباشرة بالكفاءة المهنية، وألا يتحول التصنيف الآلي إلى قرار نهائي غير قابل للطعن".
ويخلص إلى أن "الذكاء الاصطناعي قادر على رفع كفاءة التوظيف وتوسيع قاعدة المرشحين، لكن المسؤولية يجب أن تبقى موزعة بوضوح بين مطور النظام والشركة المستخدمة وصاحب القرار البشري، فالخوارزمية قد ترتب وتقترح، لكن المؤسسة تظل مسؤولة عن أثر القرار في مستقبل شخص حقيقي".