أصبح التوصيل المجاني المشروط نموذجاً شائعاً في المتاجر الإلكترونية وتطبيقات توصيل الطعام حول العالم، يحصل عليه المستهلك عند بلوغ قيمة معينة للمشتريات أو عبر الاشتراك في عضوية مدفوعة. ومع اتساع هذه العروض، يبرز السؤال عن مقدار ما توفره فعلاً، وكيف تستخدمها الشركات لزيادة المبيعات، ومتى تتحول محاولة تجنب رسوم التوصيل إلى إنفاق أكبر.
وتوضح شروط "Uber One" و"DashPass" في الولايات المتحدة أن المجانية ترتبط بطلبات مؤهلة وحد أدنى للمشتريات، مع بقاء رسوم أخرى. وتضيف العضويات مقابلاً دورياً، قد يبدأ تحصيله بعد تجربة مجانية، ثم يتجدد تلقائياً وفق الشروط حتى الإلغاء. ولذلك، يحتاج تقييم العرض إلى جمع كلفة المشتريات والرسوم والاشتراك، بدلاً من النظر إلى التوصيل وحده.
عندما يرفع التوفير الفاتورة
ولتوضيح ذلك، يطرح عماد علي، خبير تخطيط المشاريع والتسويق، مثالاً افتراضياً لسلة مشتريات بقيمة 40 دولاراً، تضاف إليها خمسة دولارات للتوصيل، فيكون الإجمالي 45 دولاراً. وإذا اشترط المتجر بلوغ 50 دولاراً للتوصيل المجاني، وأضاف المستهلك منتجاً بعشرة دولارات، فإنه يدفع أكثر بخمسة دولارات.
ويوضح أن جدوى الإضافة تتوقف على الحاجة إلى المنتج؛ فإذا كان سيشتريه لاحقاً بالسعر نفسه، فقد يكون تجميع المشتريات مفيداً. أما إذا اشتراه فقط لإلغاء رسوم التوصيل، فقد دفعه العرض إلى إنفاق غير مخطط له. ويقاس الوفر بكلفة تلبية الاحتياجات، مع مراعاة احتمال تلف الكمية الإضافية أو عدم استخدامها.
وقد يصعب استكمال المبلغ الناقص بدقة بسبب أسعار المنتجات المتاحة. ويشير عماد إلى أن السلة قد تحتاج خمسة دولارات فقط لبلوغ الحد، بينما تكون أرخص إضافة مناسبة بعشرة دولارات، فيتجاوز المشتري المبلغ المطلوب. وهنا تؤثر تشكيلة المنتجات وأسعارها في الإنفاق، إلى جانب شرط التوصيل، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تعمد من المتجر.
لماذا نكمل السلة؟
وتساعد دراسة منشورة عام 2023 في مجلة "Production and Operations Management"، ومتاحة عبر مستودع جامعة كوليدج لندن، في تفسير هذا القرار. إذ استخدمت نموذجاً اقتصادياً لتحليل إضافة المنتجات لبلوغ حد المجانية، وأظهرت أن النفور النفسي من رسوم الشحن قد يدفع المستهلك إلى زيادة الطلب بما يتجاوز اختياره في غياب هذا النفور. وهذه نتيجة نمذجة، وليست نسبة مقاسة لجميع المتسوقين.
وبذلك، قد يتحول حد العرض إلى هدف للشراء، فيبحث المستهلك عما يستكمل به السلة، بعدما كان يبحث عما يحتاجه فقط. وهذه الاستجابة تحاول الشركة موازنتها مع كلفة الإعفاء.
حسابات الشركة وحدودها
وتتيح السلة الأكبر توزيع بعض تكاليف تنفيذ الطلب على منتجات أكثر، لكنها لا تضمن ربحاً أعلى. ويبين عماد علي أن الشركة تقارن هامش الربح من الإضافات بكلفة الشحن والتجهيز التي تتحملها، وتختار حداً يستطيع العميل بلوغه دون الابتعاد كثيراً عن إنفاقه المعتاد. أما الاشتراك فيمنحها إيراداً دورياً وقد يشجع تركيز الطلبات داخل المنصة، لكن ربحيته تعتمد على كلفة المزايا المستخدمة، لا عدد المشتركين وحده.
ويؤكد بحث أحدث أن رفع الحد قد يأتي بنتيجة عكسية. فقد عرض بالجامعة الصينية في هونغ كونغ في مايو (أيار) 2026، واستند إلى بيانات منصة بقالة إلكترونية بأمريكا الشمالية، ووجد أن رفع حد التوصيل المجاني من 80 إلى 100 دولار أدى إلى انخفاض الإنفاق 19.4% في الحالة المدروسة.
وأرجع الباحثون ذلك أساساً إلى انخفاض متوسط السلة، وبدرجة أقل إلى تراجع تكرار الشراء، مع صعوبة العثور على إضافات مناسبة. والنتيجة تخص منصة محددة، ولا تعمم على جميع المتاجر.
متى يستحق الاشتراك؟
وتقاس جدوى الاشتراك بما يوفره على الطلبات المعتادة مقارنة بثمن العضوية. ويشرح، خبير تخطيط المشاريع والتسويق، بمثال افتراضي أن اشتراكاً بعشرة دولارات يغطي كلفته عند خمسة طلبات إذا وفر دولارين لكل طلب، ويبدأ الوفر من السادس، مع ثبات بقية التكاليف.
وينصح باحتساب الطلبات المخطط لها أصلاً، لأن الشراء الإضافي لاستغلال العضوية قد يستهلك الوفورات، وبمراجعة المتاجر المؤهلة والحد الأدنى والرسوم المتبقية ومقارنة السعر النهائي بالبدائل.
كما يدعو إلى مراجعة قيمة التجديد وموعده وطريقة الإلغاء قبل تفعيل التجربة المجانية، ووضع تذكير قبل بدء الدفع، فالعرض يكون مفيداً عندما يخفض كلفة احتياجات فعلية، دون أن يدفع المستهلك إلى تجاوز ميزانيته.