في مشهد يُعيد للأذهان ذكريات الدورات الاقتصادية المتقلبة، تعيش الأسواق المالية الأمريكية حالة من القلق المتأخر، متأثرة بضغوط تشديد الأوضاع المالية والتراجع الحاد لأسهم قطاع الذكاء الاصطناعي. 

وفي وقت يتطلع فيه المستثمرون إلى موسم نتائج الشركات وانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لإنقاذ الموقف، تبدو "وول ستريت" بين التفاؤل التاريخي والمخاطر الهيكلية القائمة خلال الفترة الراهنة، بحسب شبكة "سي إن بي سي".

تقلبات التكنولوجيا

و​لا يزال الاتجاه العام لمؤشر "S&P 500" محافظاً على طابعه الصاعد على المدى الطويل، غير أن الواقع الميداني للأسواق يشهد اهتزازات واضحة؛ فأسهم البنية التحتية وأجهزة الذكاء الاصطناعي فقدت زخمها المعهود، بينما تتداول أسهم القطاع المصرفي في مستويات ضعيفة تعقب إعلان نتائجها، وتظهر أسواق الائتمان علامات اضطراب واضحة تُعيد للأذهان شبح التصفية القسرية التي شهدتها صناديق التحوط في صيف العام الماضي.

​ويصف جايسون هانتر، الخبير الاستراتيجي في بنك جي بي مورغان، الوضع الحالي قائلاً: ​"مع انغلاق نافذة الموسم الهابط حالياً، نتساءل عما إذا كانت السوق تمر بالمرحلة الأخيرة من سلسلة تصحيحات متتالية تسبق الارتفاع المعتاد لنهاية العام، أم أن التباعدات الهبوطية المتراكمة ستدفع المؤشر نحو موجة هبوط أوسع نطاقاً".

و​تتجه الأنظار بقوة نحو سياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسط تزايد قناعة المستثمرين بأن "السوق يقوم بمهمة الفيدرالي في تشديد الأوضاع المالية"، وذلك بفعل ارتفاع عوائد سندات الخزينة، واتساع الفوارق الائتمانية، وتصاعد تقلبات الدولار.

انقسام حاد بين كبار المحللين

يرى أديتيا بهاف، المحامي الاقتصادي في بنك أوف أمريكا، أن الأسواق تختبر قدرة "الفيدرالي" على تحمل الألم، مع تراجع "ناسداك" 5% خلال الأسابيع الماضية، متمسكاً بتوقعه برفع الفائدة في أكتوبر(تشرين الأول) الحالي.

فيما ​يحذر مايك ويلسون من بنك مورغان ستانلي، من تجاهل "الفيدرالي" لهذه الضغوط، مشيرًا إلى أن التعالي على تشديد الأوضاع قد يُعيد إلى الأذهان سياسة "الطيار الآلي"، والتي قادها رئيس الفيدرالي الأمريكي السابق جيروم باول في أواخر 2018.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، صرّح جيروم باول علناً بأن عملية تقليص الميزانية العمومية للفيدرالي- وهو برنامج سحب السيولة وضخ السندات بمعدل 50 مليار دولار شهرياً- تسير في وضع "الطيار الآلي".

وفُهمت التصريحات حينها على أن "الفيدرالي" جامد ومستمر في سياسته الانكماشية دون مراعاة لظروف السوق، ما تسبب في موجة بيع حادة وهبوط مؤشر (S&P 500) بنسبة تقارب 20%.

و​تاريخياً، يُعتبر الربع الرابع الذي يعقب انتخابات منتصف المدة فترة إيجابية بامتياز، خصوصاً مع توقعات نمو أرباح الشركات لتتجاوز 20% على أساس سنوي. ومع ذلك، يحذر المراقبون من تكرار سيناريو 2018، رغم النمو القوي للأرباح، وذلك جراء عجز الأسواق عن استيعاب خطوات التشديد "الفيدرالي" آنذاك.

دروس من فقاعة الإنترنت.. هل ينهي الفيدرالي الأمريكي طفرة الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24قد تواجه طفرة الذكاء الاصطناعي اختباراً حاسماً من خارج قطاع التكنولوجيا، يتمثل في السياسة النقدية الأمريكية، إذ إن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة أو الاتجاه إلى زيادتها قد يضغط على تمويل الاستثمارات وتقييمات الشركات، رغم التدفقات المالية الضخمة التي اجتذبها القطاع.

أين تقف سيولة المستثمرين؟

و​وسط هذه الضبابية، تُظهر المؤشرات الهيكلية للسيولة تراجعاً ملحوظاً في الهوامش الوقائية للمستثمرين؛ فحجم النقدية المجمعة مقارنة بديون الهامش يتحرك عند مستويات أدنى بكثير من تلك المسجلة عام 2000. وإضافة إلى ذلك، فإن إجمالي عائد المساهمين بات يتخلف عن عائد سندات الخزينة لأجل 10 سنوات.

ولا يعد هذا المؤشر جرس إنذار فوري، ولكنه يرفع من "معدل العائد المطلوب" للمخاطرة في الأسهم، ما يجعل حيازة الأصول عالية المخاطر أكثر تكلفة مقارنة بالعوائد الآمنة التي توفرها السندات أخيراً.

و​إلى جانب التحديات الاقتصادية الكلية، يتصاعد القلق الاجتماعي والاقتصادي من تداعيات الذكاء الاصطناعي على القوى العاملة، ما تجلى في مبادرات مثل صندوق أنثروبيك لدعم المتضررين وعروض إيلون ماسك الاستثمارية.

ويرى محللون أن الأداة الأنجح للتحوط ضد تفوق رأس المال التقني على الأجور تتمثل في امتلاك رأس المال عبر مؤشرات الأسهم الكبرى، أو تعزيز رأس المال البشري بالتدريب والإتقان، وهي النصيحة الدائمة للملياردير وورن بافيت، لمواجهة التضخم والتقلبات الهيكلية في الاقتصاد.