أنفقت الشركات الصينية أكثر من 200 مليار دولار على بناء مصانع خارج البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، في توسع صناعي يمتد من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم انتشار مواقع الإنتاج الصينية خارج الحدود، لا تزال الصين تحتفظ بموقعها المهيمن في التصنيع العالمي، وفقاً لتقرير نشرته مجلة "ذي إيكونوميست" في أغسطس (آب) 2026.

وأوضحت المجلة أن التوسع الصناعي الصيني يتخذ ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل الانتشار الجغرافي للمصانع، وانتقال شبكات الموردين إلى مواقع الإنتاج الجديدة، وزيادة التركيز على صناعات استراتيجية، أبرزها السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة ومعدات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في تحول يتجاوز مجرد نقل خطوط الإنتاج إلى الخارج، بحسب "ذي إيكونوميست".

مصانع صينية تمتد عبر القارات
تتوسع الشركات الصينية في إنشاء منشآت صناعية بمناطق تمتد من السعودية والمجر إلى البرازيل وإندونيسيا، مستفيدة من قرب الأسواق المستهدفة والحوافز الاستثمارية والتغيرات في السياسات التجارية، بما يمنحها قدرة أكبر على خدمة المستهلكين عبر قواعد إنتاج متعددة، وفقاً لـ"ذي إيكونوميست".

ويأتي هذا التوسع مدفوعاً بضعف الطلب الاستهلاكي والمنافسة الشديدة داخل الصين، إلى جانب الرسوم الجمركية الأمريكية التي تشجع بعض المصنعين على إقامة منشآت في أسواق تواجه قيوداً تجارية أقل، فيما تقدم دول نامية تسهيلات إدارية وضريبية لاستقطاب الاستثمارات، بحسب المجلة.

وتبرز منطقة العين السخنة في مصر نموذجاً لهذا التحول، بعدما استقطبت مصانع صينية تعمل في صناعات متنوعة، بينها الألياف الزجاجية والكابلات ومعدات الكهرباء، مدعومة بتطوير مرافق الموانئ والمناطق الصناعية ضمن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وفقاً لـ"ذي إيكونوميست".

8.9 مليارات يورو استثمارات صناعية جديدة في أوروبا
وفي أوروبا، ارتفعت الاستثمارات الصينية المباشرة في المشروعات الجديدة، المعروفة باسم "غرينفيلد"، بنسبة %51 خلال 2025، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 8.9 مليارات يورو، مدفوعة بصورة رئيسية بمشروعات بطاريات السيارات الكهربائية، وفقاً لتقرير مشترك أصدرته مؤسستا "روديوم غروب" و"ميركس" في مايو (أيار) 2026.

واحتفظت المجر بموقعها كأكبر وجهة للاستثمارات الصينية في أوروبا خلال 2025، بعدما استقطبت 3.9 مليارات يورو، مقابل 3.2 مليارات في العام السابق، مستفيدة من توسع الشركات المصنعة للسيارات والبطاريات، بحسب التقرير المشترك.

الموردون ينتقلون مع المصانع
ولا يقتصر الانتشار الخارجي على إنشاء مصانع للتجميع والإنتاج النهائي، بل يمتد إلى الموردين الصينيين الذين يتوسعون بالقرب من عملائهم الصناعيين، بما يسمح بتكوين شبكات متكاملة لإنتاج المكونات والمواد الأولية والخدمات المساندة، وفقاً لـ"ذي إيكونوميست".

ففي المغرب، تنشئ شركة "غوشن" الصينية المتخصصة في البطاريات مصنعاً ضخماً بالقرب من الرباط، فيما تعمل شركات صينية أخرى على إقامة مصانع لإنتاج مكونات البطاريات، بينها الأقطاب ورقائق النحاس، ضمن توجه لتقريب مراحل التصنيع المختلفة من بعضها، بحسب المجلة.

ورغم هذا الانتشار، لا تزال المنشآت الصينية الخارجية تعتمد على استيراد معدات ومكونات من السوق المحلية، إذ ارتفعت صادرات الصين من السلع الرأسمالية بنسبة %14 خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما زادت صادرات السلع الوسيطة بنسبة %27، وفقاً للأرقام التي أوردتها "ذي إيكونوميست".

ويعكس ذلك استمرار الدور المحوري للمصانع الصينية في تزويد شبكات الإنتاج الخارجية بالآلات والمواد والمكونات، حتى مع انتقال بعض مراحل التصنيع إلى دول أخرى، بحسب تحليل المجلة.

السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة في المقدمة
تتركز الاستثمارات الصناعية الصينية الجديدة في قطاعات ترتبط بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، ولا سيما السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والبطاريات ومعدات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مع سعي الشركات إلى إقامة مصانع بالقرب من الأسواق التي تشهد نمواً في الطلب، وفقاً لـ"ذي إيكونوميست".

وتتوسع شركات صينية لإنتاج الألواح الشمسية في إنشاء قواعد تصنيع بمنطقة الخليج، بعد انتشارها سابقاً في جنوب شرق آسيا، بينما أصبحت تايلاند مركزاً لإنتاج مكونات الاتصالات البصرية عالية السرعة المستخدمة في مراكز البيانات، بما يشمل منتجات شركات صينية تخدم مزودي الحوسبة السحابية العالميين، بحسب المجلة.

الصين تحتفظ بـ%32 من التصنيع العالمي
وعلى الرغم من تسارع التوسع الخارجي، لا تظهر البيانات المتاحة تراجعاً مؤكداً في المكانة الصناعية للصين، التي استحوذت على نحو %32 من القيمة المضافة الصناعية العالمية خلال 2024، مقابل %15 للولايات المتحدة، وفقاً للتقرير السنوي للإحصاءات الصناعية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "يونيدو".

وتشير المنظمة إلى أن حصة الصين من الإنتاج الصناعي العالمي ارتفعت بصورة كبيرة على مدى العقود الماضية، فيما ظل قطاعها الصناعي من أبرز محركات الإنتاج العالمي، وهو ما يوضح أن انتشار المصانع الصينية خارج البلاد لا يعادل بالضرورة انتقال الثقل الصناعي بعيداً عنها، وفقاً لبيانات "يونيدو".

تحديات الرسوم والقيود التجارية
لكن التوسع الصناعي الخارجي لا يخلو من التحديات، إذ تواجه الشركات الصينية تقلبات الرسوم الجمركية الأمريكية ومتطلبات المحتوى المحلي في بعض الأسواق، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التمويل وتقلب أسعار العملات في الاقتصادات الناشئة، وهي عوامل قد تؤدي إلى تأجيل بعض المشروعات أو تعديل خططها الاستثمارية، بحسب "ذي إيكونوميست".

وتزيد هذه المتغيرات تعقيد قرارات الشركات بشأن مواقع التصنيع، إذ يتعين عليها الموازنة بين قرب الأسواق وكلفة الإنتاج ومتطلبات المنشأ المحلي وسهولة الحصول على المكونات، مع المحافظة على الروابط القائمة مع الموردين داخل الصين، وفقاً لتحليل المجلة.

وبذلك، يعكس إنفاق أكثر من 200 مليار دولار على إنشاء مصانع خارج الصين تحولاً في طريقة تنظيم الإنتاج العالمي، يقوم على توزيع المصانع بين أسواق متعددة مع استمرار ارتباطها بسلاسل توريد صينية، ما قد يغير الخريطة الجغرافية للصناعة مستقبلاً دون أن ينهي بالضرورة موقع الصين المركزي في التجارة والتصنيع العالميين، وفقاً لـ"ذي إيكونوميست".