تتجه شركة "مايكروسوفت" الأمريكية إلى تقليص تكاليف العمالة، بما يشمل موظفين في قطاعات الذكاء الاصطناعي نفسها، رغم ضخ استثمارات بمليارات الدولارات لتطوير هذه التكنولوجيا، إذ عرضت الشركة برامج مغادرة طوعية على نحو 60 ألف موظف، في خطوة تثير تساؤلات بشأن مستقبل الوظائف داخل الشركات التي تقود ثورة الذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لوكالة "رويترز"، تمثل العروض أكثر من ربع القوى العاملة لدى مايكروسوفت، التي بلغ عدد موظفيها 223 ألفاً بنهاية يونيو (حزيران) 2026، في إطار جهود الشركة لخفض التكاليف وإعادة توزيع مواردها نحو استثمارات الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي لم يعد يحمي الوظائف
لا تقتصر عروض المغادرة على الوظائف الإدارية والتقليدية، بل تشمل موظفين في فرق تطوير تجارب الذكاء الاصطناعي ومساعد "كوبايلوت"، إلى جانب قطاعات "إكس بوكس" و"ويندوز" والموارد البشرية والمالية.
وبحسب "رويترز"، تستثني العروض قطاعات التسويق والأعمال التجارية والأمن، بينما تشمل موظفين مؤهلين في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والهند.
ويعكس شمول فرق الذكاء الاصطناعي بالبرنامج اتساع نطاق إعادة الهيكلة داخل الشركة، لكنه لا يعني بالضرورة الاستغناء عن هذه الوظائف بسبب الأتمتة، إذ لم تحدد "مايكروسوفت" عدد الموظفين المتوقع مغادرتهم من هذه الفرق.

تعويضات مالية مقابل الرحيل
وفق تقرير لموقع "إنديا توداي"، استناداً إلى معلومات "بيزنس إنسايدر"، تتضمن عروض المغادرة تعويضات مالية تختلف بحسب المستوى الوظيفي وسنوات الخدمة وموقع العمل.
ويحصل بعض الموظفين على أجر أسبوع عن كل 6 أشهر خدمة، بينما يحصل آخرون على أجر أسبوعين للفترة نفسها، مع تعويضات قد تصل إلى راتب 12 شهراً لبعض المستويات الوظيفية.
وتشمل المزايا استمرار استحقاق بعض الأسهم والتأمين الصحي، فيما يتعين على الموظفين اتخاذ قرارهم بحلول أوائل ديسمبر (كانون الأول) المقبل، على أن يغادر الموافقون بنهاية العام. وأكد التقرير أن رفض العرض لا يعني الفصل تلقائياً، لكنه لا يوفر ضماناً بعدم تأثر الوظائف بقرارات مستقبلية.
175 مليار دولار للذكاء الاصطناعي
تأتي الخطوة بينما تتوقع "مايكروسوفت" إنفاقاً رأسمالياً يبلغ 175 مليار دولار خلال 2026، وسط توسعها في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ووفق "رويترز"، تواجه الشركة ضغوطاً متزايدة من المستثمرين لإثبات قدرة هذه الاستثمارات الضخمة على تحقيق عوائد تبرر تكلفتها، ما يضع خفض النفقات التشغيلية ضمن أولوياتها.
موجة متواصلة من خفض الوظائف
لا تعد هذه الخطوة الأولى لمايكروسوفت خلال العام الحالي، إذ سبق أن عرضت برامج مغادرة طوعية على نحو 9 آلاف موظف أمريكي، قبل أن تعلن إلغاء 4800 وظيفة في يوليو (تموز) الماضي، ضمن خطة لإعادة الهيكلة شملت قطاع الألعاب.
وبحسب "تك كرانش"، وافق أكثر من 30% من المؤهلين على برنامج التقاعد الطوعي السابق، ما أتاح للشركة تقليص العمالة دون الاعتماد حصرياً على التسريح المباشر.

مخاطر فقدان الخبرات والكفاءات
رغم أن برامج المغادرة الطوعية تساعد الشركات على خفض تكاليف العمالة، فإنها تؤدي إلى فقدان خبرات يصعب تعويضها، خصوصاً في القطاعات التقنية المتخصصة.
ووفقاً لجامعة هارفارد، فإن الاستغناء عن الموظفين مقابل تحقيق وفورات قصيرة الأجل قد يسبب مشكلات طويلة الأمد، نتيجة فقدان المعرفة المتراكمة داخل المؤسسات، التي لا تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تعويضها بالكامل.
هل تنمو الإيرادات؟
تُراهن شركات التكنولوجيا على زيادة الإنتاجية والإيرادات عبر توظيف الذكاء الاصطناعي مع تقليص أعداد الموظفين، لكن تحقيق هذه المعادلة لا يزال يواجه تحديات. ووفقاً لدراسة نشرتها شركة "غارتنر" في مايو (أيار) 2026، أفادت 80% من المؤسسات التي تختبر أو تستخدم تقنيات الأعمال الذاتية بتقليص العمالة، دون أن يرتبط ذلك بالضرورة بتحسن العائد على الاستثمار.
كما كشف استطلاع عالمي أجرته "ماكينزي" في 2026، أن 37% فقط من المؤسسات أفادت بأن الذكاء الاصطناعي ساهم في أرباحها التشغيلية، رغم اتساع استخدام التكنولوجيا، ما يعكس التحديات التي تواجه الشركات في تحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي وخفض تكاليف العمالة إلى مكاسب مالية ملموسة ونمو مستدام في الإيرادات.
تسرّح 1000 موظف وتشتري حقوق مونديال 2030.. كيف تعيد نتفليكس ترتيب رهاناتها؟ - موقع 24تعتزم شركة نتفليكس خفض 6% من إجمالي قوتها العاملة، أي نحو 1000 موظف، في أكبر موجة تسريح تنفذها الشركة منذ عام 2022، في ظل معاناتها من تباطؤ النمو وتراجع تفاعل المشتركين مع المنصة.
تحولات أوسع في وادي السيليكون
لا تقتصر إعادة الهيكلة على "مايكروسوفت"، إذ شهدت شركات "ميتا" و"أمازون" و"أوراكل" إجراءات لتقليص العمالة، بالتزامن مع زيادة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وفق صحيفة "الغارديان".
وتشير هذه التحولات إلى تغير أولويات الإنفاق داخل شركات التكنولوجيا، مع توجيه موارد مالية أكبر نحو مراكز البيانات والرقائق وأنظمة الذكاء الاصطناعي، مقابل مراجعة تكاليف التوظيف والعمليات التشغيلية، في محاولة لتعزيز الكفاءة وتحسين هوامش الربحية.
في المقابل، كشفت "الغارديان" أن بعض الشركات بدأت مراجعة خططها للاعتماد المكثف على الذكاء الاصطناعي، بعد مواجهة أخطاء تقنية وتكاليف إضافية. كما أظهرت دراسة لجامعة بيتسبرغ أن الشركات التي استثمرت في هذه التكنولوجيا وخفضت العمالة لم تسجل تحسناً في الإنتاجية، ما يثير تساؤلات بشأن جدوى تقليص الوظائف قبل تحقيق عوائد ملموسة من الاستثمارات التقنية.