أعادت عودة زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو إلى بلادها، بعد نحو عشرة أشهر في الخارج، التساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط، وسط مطالب بتسريع الانتخابات الرئاسية، ومخاوف من أن يؤدي أي انتقال سياسي إلى مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمتها الحكومة الانتقالية، وفقاً لمجلة "ذي إيكونوميست".
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع سعي فنزويلا إلى جذب رؤوس الأموال لإعادة تأهيل صناعتها النفطية، بعدما وسعت الولايات المتحدة نطاق التراخيص الممنوحة للشركات الأجنبية، ووقعت الحكومة الانتقالية اتفاقيات جديدة لتطوير الإنتاج، وفقاً لوكالة "رويترز".
عودة المعارضة تفتح ملف الانتخابات
عادت ماتشادو إلى فنزويلا يوم الأحد 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بعد مغادرتها البلاد في ديسمبر (كانون الأول) 2025 لتسلم جائزة نوبل للسلام في النرويج، وسط استقبال جماهيري ومطالب متجددة بإجراء انتخابات رئاسية، بحسب وكالة "رويترز".
وتأتي عودتها بعد إطاحة الرئيس السابق نيكولاس مادورو في عملية أمريكية مطلع يناير (كانون الثاني) 2026، وتولي نائبته السابقة ديلسي رودريغيز الرئاسة بالوكالة، في مرحلة شهدت تقارباً بين واشنطن وكاراكاس بشأن إدارة قطاع النفط والاستثمارات الأجنبية، وفقاً لوكالة "أسوشيتد برس".
وتسعى ماتشادو إلى تسريع الانتقال نحو حكومة منتخبة، بينما تؤكد الإدارة الأمريكية أهمية إصلاح المؤسسات القضائية والانتخابية قبل تنظيم اقتراع جديد، دون إعلان موعد رسمي للانتخابات حتى الآن، بحسب تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي نقلتها "أسوشيتد برس".
76 مليار دولار استثمارات متوقعة
تكتسب مسألة الاستقرار السياسي أهمية إضافية بعدما أعلنت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز توقعات باستقطاب استثمارات تبلغ نحو 76 مليار دولار في قطاعي النفط والغاز خلال السنوات الخمس المقبلة، استناداً إلى 61 اتفاقية أبرمتها الحكومة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء الإمارات "وام" في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.
وتحدثت رودريغيز أيضاً عن 44 اتفاقية إضافية قيد التفاوض، ضمن مساعي الحكومة إلى تطوير الإنتاج وإعادة بناء البنية التحتية للطاقة، لكن هذه الأرقام تمثل استثمارات متوقعة مرتبطة بتنفيذ الاتفاقيات، وليست تدفقات رأسمالية تحققت بالفعل، بحسب البيانات الحكومية التي نقلتها "وام".
تراخيص أمريكية تعيد رسم القطاع
كانت الولايات المتحدة خففت في فبراير (شباط) 2026 بعض القيود المفروضة على قطاع الطاقة الفنزويلي، وأصدرت تراخيص تسمح لشركات دولية، بينها "شيفرون" و"بي بي" و"إيني" و"شل" و"ريبسول"، بتوسيع أنشطتها النفطية والغازية وفق شروط محددة، بحسب وكالة "رويترز".
وشملت الإجراءات السماح بالتفاوض بشأن استثمارات جديدة مع شركة النفط الحكومية "بتروليوس دي فنزويلا"، مع اشتراط الحصول على موافقات أمريكية إضافية لبعض العقود، وفرض ضوابط على المدفوعات والمعاملات المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات، وفقاً لوكالة "رويترز".
ويعني ذلك أن مستقبل الاستثمارات النفطية لا يتوقف على القرارات الحكومية الفنزويلية وحدها، بل يرتبط أيضاً باستمرار التراخيص الأمريكية، والقواعد المنظمة لتحويل الإيرادات، ومدى قدرة الشركات على تنفيذ تعاقداتها وتمويل عملياتها، استناداً إلى الشروط التنظيمية التي عرضتها "رويترز".
اتفاقيات طويلة الأجل أمام اختبار سياسي
وقعت شركات طاقة دولية، بينها "شيفرون" و"إيني"، اتفاقيات لتوسيع مشروعاتها في فنزويلا خلال سبتمبر (أيلول) 2026، ضمن ترتيبات تهدف إلى زيادة الإنتاج وتحديث شروط التعاون مع شركة النفط الحكومية، وفقاً لوكالة "رويترز".
لكن بعض الاتفاقيات أثار تساؤلات قانونية بشأن صلاحيات الحكومة الانتقالية ومدى استيفاء الإجراءات الدستورية اللازمة لإقرار التزامات طويلة الأجل، وهو ما قد يزيد أهمية الضمانات القانونية بالنسبة إلى المستثمرين عند حدوث أي تغيير في السلطة، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".
ولا يعني احتمال تشكيل حكومة جديدة إلغاء الاتفاقيات القائمة تلقائياً، لكنه قد يدفع الشركات إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة باستمرارية العقود وشروط الضرائب والإتاوات وآليات تسوية المنازعات، في ضوء طبيعة الاتفاقيات والإطار القانوني الذي يحكمها.
الشركات تبحث عن وضوح السياسات
يمثل استقرار الإطار التنظيمي عاملاً أساسياً في قرارات الاستثمار النفطي، نظراً إلى ارتفاع تكاليف تطوير الحقول والبنية التحتية وطول الفترات اللازمة لاسترداد رأس المال، خصوصاً في بلد تحتاج منشآته النفطية إلى تحديثات واسعة، وفقاً لتقارير "رويترز" بشأن خطط شركات الطاقة الأجنبية في فنزويلا.
وكانت شركة "شيفرون" أكدت خططاً لاستثمار أكثر من 7 مليارات دولار خلال خمس سنوات، بهدف توسيع عملياتها وزيادة إنتاجها في فنزويلا، في حين ظلت شركات أخرى أكثر تحفظاً بسبب المخاطر السياسية والقانونية وتاريخ التأميم، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".
وتبرز هذه الفوارق بين الشركات أن تخفيف العقوبات وفتح المجال أمام الاستثمار لا يكفيان وحدهما لضمان تدفق رؤوس الأموال، إذ تظل شروط العقود والضمانات القانونية والقدرة على تحويل العائدات عوامل مؤثرة في القرارات الاستثمارية، وفقاً لتقارير "رويترز" و"أسوشيتد برس".
مستقبل النفط مرهون بالانتقال السياسي
تضع عودة ماتشادو ملف الانتخابات مجدداً في صدارة المشهد الفنزويلي، بالتزامن مع توسع التعاون النفطي بين الحكومة الانتقالية والشركات الأجنبية، وهو ما يفتح تساؤلات بشأن استمرارية السياسات الاقتصادية إذا أفضى المسار السياسي إلى تشكيل إدارة جديدة، وفقاً لمجلة "ذي إيكونوميست" ووكالة "رويترز".
وبينما تسعى الحكومة الحالية إلى تسريع الاستثمار والإنتاج، يبقى الأثر الاقتصادي لأي انتخابات مستقبلية مرتبطاً بطبيعة الانتقال السياسي، وموقف الإدارة المقبلة من الاتفاقيات القائمة، واستمرار التراخيص الأمريكية، دون وجود أدلة حالية تثبت أن عودة ماتشادو أدت بالفعل إلى إلغاء مشروعات أو انسحاب مستثمرين، وفقاً للمعلومات المتاحة في تقارير "رويترز" و"أسوشيتد برس".