تحولت استراتيجية "اشترِ، واقترض، ثم مت" من أسلوب مالي ارتبط طويلاً بالمليارديرات إلى نشاط إقراضي عالمي تبلغ قيمة التسهيلات الائتمانية المتاحة فيه نحو 5.4 تريليون دولار، فيما يُقدّر حجم الاقتراض المستخدم فعلياً بنحو 1.6 تريليون دولار، وفقاً لدراسة أعدتها شركة "ديلويت" واطلعت عليها صحيفة "وول ستريت جورنال".
وتقوم الاستراتيجية على الاقتراض بضمان الأسهم والأوراق المالية بدلاً من بيعها للحصول على السيولة، بما يسمح للمستثمرين بالاحتفاظ بأصولهم وتأجيل الضرائب المحتملة على الأرباح الرأسمالية، مع استمرار تعرضهم لمخاطر تقلب أسعار الضمانات وتكاليف الاقتراض، بحسب "وول ستريت جورنال".
سوق ينمو %12 سنوياً
استندت دراسة "ديلويت" إلى مسح شمل 57 من أكبر البنوك الخاصة ومؤسسات الإقراض حول العالم، في محاولة لرصد سوق لا تفصح المؤسسات المالية دائماً عن بياناته بصورة منفصلة، ما يجعل تقدير حجمه الفعلي أكثر تعقيداً.
وخلصت الدراسة إلى أن سوق الإقراض بضمان الأوراق المالية سجل متوسط نمو سنوي بلغ 12% خلال السنوات العشر الماضية، مدفوعاً بارتفاع أسعار الأصول المالية وتزايد الثروات المستثمرة في الأسواق، بحسب "ديلويت".
وتشمل التسهيلات المقدرة بنحو 5.4 تريليون دولار قروضاً بضمان الأسهم والسندات والصناديق الاستثمارية، إلى جانب بعض الأصول الرقمية، فضلاً عن قروض الهامش المستخدمة لتمويل استثمارات إضافية، وفقاً للدراسة التي عرضتها "وول ستريت جورنال".
الولايات المتحدة تتصدر السوق
تستحوذ الولايات المتحدة على نحو 30% من سوق الإقراض بضمان الأوراق المالية، لتتصدر الدول المشمولة في الدراسة، بينما تبلغ الحصة المجمعة لسويسرا وليختنشتاين نحو 12%، بما يعكس أهمية المراكز المالية الكبرى في هذا النشاط، وفقاً لتقديرات "ديلويت" التي نشرتها "وول ستريت جورنال".
ويعكس توسع هذه السوق تحول القروض المضمونة بالمحافظ الاستثمارية من خدمة متخصصة لكبار أصحاب الثروات إلى منتج مالي تتيحه مؤسسات إدارة الثروات لشرائح أوسع من المستثمرين، بحسب تصريحات مسؤولي "ديلويت" للصحيفة.
قروض بضمان 50% من قيمة الأصول
تتميز القروض المضمونة بالأوراق المالية بإمكانية الحصول على السيولة دون تصفية الاستثمارات، إذ يعتمد حجم التمويل على القيمة السوقية للأصول المرهونة ومدى قابليتها للبيع، فيما يبلغ متوسط نسبة القرض إلى قيمة الضمان نحو 50%، وفقاً لدراسة "ديلويت" التي نقلتها "وول ستريت جورنال".
وتزيد أسعار الفائدة على هذه القروض، في المتوسط، بنحو نقطة مئوية واحدة على أسعار الفائدة المرجعية، مع اختلاف التكلفة الفعلية بحسب نوع الضمان وحجم القرض والعميل والجهة الممولة، وفقاً للتقديرات الواردة في تقرير "وول ستريت جورنال".
وتشير الدراسة إلى أن هذا النشاط يسهم بما يتراوح بين 25% و30% من الأرباح السنوية لدى بعض البنوك الخاصة التقليدية، خصوصاً المؤسسات المتخصصة في إدارة الثروات، دون أن تعني هذه النسبة أنها تنطبق على القطاع المصرفي بأكمله، بحسب "ديلويت".
لماذا يفضلها المليارديرات؟
تتيح هذه القروض للمستثمرين الحصول على أموال لتمويل مشتريات أو استثمارات جديدة دون بيع الأسهم التي يمتلكونها، وهو ما قد يساعدهم على الاحتفاظ بحقوق التصويت المرتبطة بحصصهم، وتجنب تحقيق أرباح رأسمالية خاضعة للضريبة عند البيع.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت باستخدام التمويل بضمان الأسهم المليارديران إيلون ماسك ولاري إليسون، إذ يوفر هذا النوع من الاقتراض وسيلة للاستفادة من القيمة السوقية للحصص الكبيرة في الشركات دون الاضطرار إلى التخارج منها، بحسب "وول ستريت جورنال".
غير أن الاقتراض لا يعني الإعفاء التلقائي من الضرائب، كما أن مزايا استراتيجية "اشترِ، واقترض، ثم مت" ترتبط بالقواعد الضريبية المعمول بها في الولايات المتحدة، بما في ذلك طريقة احتساب التكلفة الضريبية للأصول الموروثة، وفقاً للإطار الضريبي الأمريكي.
التوسع نحو المستثمرين الميسورين
لم تعد القروض المضمونة بالمحافظ الاستثمارية مقتصرة على أصحاب الثروات الفائقة، إذ تتوسع المؤسسات المالية في تقديمها للعملاء الميسورين، مستفيدة من المنصات الرقمية وسهولة تقييم الأصول المتداولة، وفقاً لدراسة "ديلويت" التي تناولتها "وول ستريت جورنال".
وتشير الدراسة إلى أن 45% من الحدود الائتمانية الممنوحة للعملاء تتجاوز قيمتها 2.5 مليون دولار، ما يؤكد استمرار أهمية العملاء ذوي الثروات الكبيرة، رغم اتساع نطاق المستفيدين من هذا النوع من التمويل.
"تشارلز شواب" تسجل نمواً قوياً
أعلنت شركة "تشارلز شواب" الأمريكية ارتفاع أرصدة برنامج القروض المضمونة بالأصول الاستثمارية لديها إلى 37.3 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من 2026، بزيادة 59% على أساس سنوي، في مؤشر إلى تنامي الطلب على السيولة المدعومة بالمحافظ المالية، وفقاً لنتائج الشركة المنشورة في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.
وفي المقابل، ارتفع إجمالي أرصدة القروض المصرفية لدى الشركة إلى 72.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر (أيلول) 2026، بزيادة 35% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو رقم يشمل أنشطة إقراض مصرفية أخرى ولا يقتصر على القروض بضمان الأوراق المالية، بحسب الإفصاح الرسمي لـ"تشارلز شواب".
مخاطر رغم قوة الضمانات
على الرغم من اعتماد هذه القروض على أصول مالية قابلة للتداول، فإنها ليست خالية من المخاطر، إذ قد يؤدي انخفاض قيمة الأسهم أو السندات المرهونة إلى مطالبة المقترض بتقديم ضمانات إضافية أو سداد جزء من القرض، وقد تلجأ المؤسسة الممولة إلى بيع الأصول عند عدم الوفاء بالشروط.
كما يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين، بينما قد يفاقم تراجع الأسواق بصورة حادة خسائر المقترضين الذين يعتمدون على محافظ استثمارية مركزة أو مرتفعة التقلب.
ويكشف اتساع سوق التسهيلات الائتمانية المضمونة بالأوراق المالية إلى 5.4 تريليون دولار عن تزايد دور الثروات المالية في توفير السيولة خارج عمليات بيع الأصول التقليدية، لكنه يسلط الضوء أيضاً على أهمية إدارة الضمانات والمخاطر الائتمانية مع انتقال هذا النشاط إلى شرائح أوسع من المستثمرين، وفقاً لدراسة "ديلويت" التي نشرتها "وول ستريت جورنال".