عم مصطفى بائع الخيامية (24- محمود العراقي)
السبت 19 ديسمبر 2015 / 15:33
في شارع صغير، لا يتعدى طوله المائة متر، وأمام باب أثري قديم، ينتظر "عم مصطفى" زبائنه من الأجانب من عشاق فن الخيامية، والذين يتقاطرون عليه طوال اليوم ليعطوا للفن القديم المعرّض للاندثار قبلة الحياة.
"الخيامية"، فن مصري قديم، ويعني صناعة الأقمشة الملونة التي تستخدم في عمل السرادقات والخيام، وتضرب جذور هذا الفن في عمق التاريخ لدى القدماء المصريين الذين كانوا يستخدمون ألوان الفواكه الطبيعية كالرمان والمانغو والتوت والبصل والبنجر (الشمندر) في صباغة أقمشة الخيامية التي شهد النهر الخالد باكورة صناعتها على ضفافه الشاهدة على التاريخ.
شارع الخيامية
محلات قليلة، يمكن عدها على أصابع اليدين لا زالت تقدم هذا الفن في شارع يحمل اسم المهنة "شارع الخيامية"، أحد أصحاب هذه المحلات هو الحاج مصطفى زكي، الذي ينكفئ على قطعة من القماش في يده ليرسم عليها جملاً، قبل أن يرفع عينيه إلينا في أسى "مهنة الخيامية تعاني الآن من الإهمال من جانب أصحاب الحرفة أنفسهم ومن جانب الدولة التي لا توليها اهتماماً، باعتبارها فناً مصرياً أصيلاً، وجزءاً من تراث المصريين الثقافي الذي يعبر عن حضارتهم وعاداتهم وتقاليدهم.
مقاومة تكنولوجيا النسيج
بالقرب من باب زويلة في القاهرة الفاطمية العريقة، يقاوم فن الخيامية للبقاء على قيد الحياة، ومنها ذلك يخرج "ليطير إلى كل الدنيا" بحسب تعبير عم مصطفى، الذي يرى أن ما يقدمه "رسالة جمال وحرفة أصيلة تمكنت من الصمود أمام تكنولوجيا النسيج التي قضت على كل ماهو يدوي جميل".
للخيامية تاريخ وحكايات، أسرار لا يبوح بها الحرفيون الذين يعملون ويبدعون في صمت، ربما توارثوها عن أجدادهم الفراعنة في مصر القديمة.
الحاج مصطفى أكمل حكايته لنا قائلاً "بالرغم من أن مهنة الخيامية تعاني من التدهور والتهديد بالاندثار، لكنها تصارع من أجل البقاء، والاحتفاظ بهويتها كفن يدوي يواجه التطور والتكنولوجيا في صناعة النسيج"، مضيفاً في يقين من يقرأ المستقبل "لن تستطيع التكنولوجيا الحديثة أن تقتحم مجال صناعة الخيامية، لأنها فن يعتمد أساساً على الصناعة اليدوية، وهذا هو سر المهنة".
20 ورشة فقط
يوجد في شارع الخيامية 20 ورشة، وهذا العدد في تناقص مستمر لأنه لا أحد يرغب في تعلم المهنة في العصر الحالي، لأنها صناعة تحتاج إلى الصبر.
يقول الحاج مصطفى ذلك ويصمت، كمن يرى تاريخه يحترق أمامه، ثم يضيف شارحاً بصوت خفيض "تستغرق صناعة قطعة الخيامية من خمسة عشر يوماً لأكثر من ثلاثة أشهر، حسب حجم الرسومات على القطعة، وبالتالي فإن الشباب يعزفون عن تعلم هذه المهنة، لأنهم يبحثون عن الربح السريع، أما الذين يعملون حالياً في هذه المهنة فهم حرفيون توارثوها عن أبائهم وأجدادهم".
كسوة الكعبة
ويوضح الحاج مصطفى أن الخيامية ازدهرت في العصر الإسلامي، وشهد العصران المملوكي والفاطمي قمة ازدهارها، مبيناً أنها ارتبطت قديماً بكسوة الكعبة المشرفة، وكانت أقمشة الخيامية الملونة مطعمة بخيوط الذهب والفضة لتزدان بها الكعبة، وظلت مصر ترسلها للحجاز في موكب متفرد مهيب يعرف باسم "المحمل"، وذلك حتى أواخر حقبة الستينيات من القرن الماضي، وأشهر الخيام بالتاريخ هي خيمة قطر الندى ابنة خمارويه في العصر الطولوني وخيمة السلطان قنصوة الغوري، وكانت عبارة عن قصر متحرك، إلا أنها اختفت بمقتله في موقعة مرج دابق عام 1516.
مهارات المهنة
وتتطلب هذه المهنة بحسب الحاج مصطفى، توافر الصبر والتدقيق والحرفية العالية حتى يخرج العمل الفني رائعاً خالياً من أي أخطاء.
ويشرح لنا طريقة التصميم بقوله "يبدأ العمل برسم التصميم الذي يتم تنفيذه على القماش المعروف باسم "التيل" الذي يتميز بأنه قماش طبيعي سميك، ثم يقوم الحرفي بتخريم الرسم ونثر بودرة مخصصة لطبع الرسم على القماش حتى يقوم الفنان بعملية التطريز، حيث تقص وحدات القماش وحياكتها مع بعضها البعض، وغالباً ما تكون التصميمات عاكسة للأشكال الفرعونية والإسلامية المتمثلة في الخط العربي الذي يعكس آيات قرآنية أو مناظر طبيعية.
مظاهر رمضانية
ويعتبر الحاج مصطفى الخيامية "من المظاهر الرمضانية الحميمة في مصر، فمنها تقام الخيام الرمضانية في المناطق الشعبية".
وتبدو الخيامية في رمضان كأنها خرجت من عباءة التاريخ والزمن الجميل، جمالياتها تمتزج مع عبق الأرز باللبن والفستق، والقرفة والشاي بالنعناع والكنافة والقطايف على الطريقة المصرية القديمة، يلتف حولها زوار هذه الخيام التي تزدان من الداخل والخارج بفوانيس رمضان المصرية القديمة، في أجواء يفوح منها زمن محفوظ وملامح من شارع بين القصرين، وفي الخلفية تطل بشموخ مآذن مساجد مصر الفاطمية بكل جماليات وتفرد معمارها.
حالة كساد
"حال الخيامية الآن لا يسر عدواً ولا حبيباً"، هكذا يختم الحاج مصطفى كلامه معنا، موضحاً أن المهنة قبل ثورة 25 يناير(كانون الثاني) كانت تـشـهد حالة من الانتعاش إذ كان يقبل عليها السيـاح الذيـن يشـترونهـا، كحقائب مشغولة أوكسـوة للمجـالس الـعربية وخيام للحج والبدو، إلا أن هذه المـهنة مثلها مثل كثـير من المهن المرتبطة بالسياحة صارت تعاني كساداً.
يقف عم مصطفى يودعنا، ثم يلقي بعينيه إلى أول الشارع، الذي يتآكل وتغلق محلاته واحداً تلو الآخر.