الأم الفلسطينية ميرفت حجازي رفقة أطفالها (رويترز)
الأم الفلسطينية ميرفت حجازي رفقة أطفالها (رويترز)
السبت 24 مايو 2025 / 16:19

أسرة فلسطينية تكشف يوميات الجوع في غزة

لم تتناول ميرفت حجازي وأطفالها الـ 9 أي طعام على الإطلاق، أمس الأول الخميس، باستثناء طفلتها الرضيعة التي تعاني من نقص الوزن، والتي تناولت كيساً من معجون الفول السوداني.

وقالت ميرفت من خيمتهم المنصوبة وسط أنقاض مدينة غزة: "أنا كتير بكون خجلانة من حالي إني مش قادرة أطعمي أولادي.. أنا بكون بعيط (ببكي) في الليل لما طفلتي لمى بتصير تبكي وبطنها توجعها من الجوع". ولا تستطيع ابنتها زهاء، البالغة من العمر 6 سنوات، النوم بسبب القصف الإسرائيلي.

وأضافت ميرفت: "زهاء بتصحى من النوم خايفة وبترتعد، وبعدين بتتذكر إنها جوعانة لأنها ما أكلت، بروح أنا برجعها تنام تاني، وبوعدها أنه الصبح راح أدبر لها أكل، وطبعاً بكذب لأنه من أسابيع وإحنا معتمدين بس على وجبة واحدة هي الغدا، لا في فطور ولا عشا".

أسبوع رهيب 

وروت ميرفت (38 عاماً) أحداث أسبوع رهيب. وقالت إن أسرتها حصلت يوم الأحد الماضي، على نصف كيلوغرام تقريباً من العدس المطبوخ من مطبخ خيري (تكية)، تديره مؤسسة خيرية، وهي نصف الكمية التي تستخدمها عادة لإعداد وجبة واحدة.

وأضافت أن إحدى منظمات الإغاثة المحلية، وزعت، الإثنين الماضي، بعض الخضراوات في المخيم، لكن الكمية لم تكن كافية، ولم تحصل أسرة ميرفت على أي منها. وذهبت ابنتها مِنَّى (14 عاماً)، إلى التكية وعادت بكمية ضئيلة من البطاطس المطبوخة. وكان الجميع جائعين، لذا ملأوا بطونهم بشرب الماء.

وحصلت الأسرة يوم الثلاثاء الماضي، على نحو نصف كيلوغرام من المعكرونة المطبوخة من التكية، كما حصلت إحدى بناتها على بعض الفلافل من قريب يسكن في الجوار.

وقالت ميرفت إن "يوم الأربعاء كان جيداً نسبياً إذ تلقت الأسرة طبق أرز مع عدس من التكية. وأضافت أن ذلك لم يكن كافياً إطلاقاً، لكن مِنَّى عادت إليهم وتوسلت، فأعطوها في النهاية طبقين صغيرين آخرين. وقالت ميرفت: "هي قوية وشاطرة وبتظلها تجادل فيهم وتصرخ لحد ما يعطوها".

وأضافت أن التكية كانت مغلقة يوم الخميس، ولم تتمكن العائلة من معرفة السبب. لم يكن لديهم ما يأكلونه سوى كيس الفول السوداني للطفلة لمى (11 شهراً)، والذي حصلوا عليه من إحدى العيادات كمكمل غذائي، لأن حليب الأطفال الصناعي اختفى تقريباً.

وأوضحت ميرفت، التي قُتل زوجها في بداية الحرب بينما كان ذاهباً على دراجة للحصول على الطعام من مطبخ خيري، "أنا ما عندي حليب كفاية في صدري لأطعمها، لأني أنا نفسي ما قادرة ألاقي حاجة أكلها".

وتتيح محنة عائلة ميرفت، إلقاء نظرة خاطفة على البؤس الذي يعاني منه قطاع غزة. وحذر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو مرصد عالمي لمراقبة الجوع، هذا الشهر من أن نصف مليون شخص يواجهون الجوع، فيما تلوح المجاعة في الأفق.

قطرة في محيط 

وقالت السلطات الإسرائيلية، مراراً إن هناك ما يكفي من الغذاء في غزة لإطعام السكان، وتتهم حماس بسرقة المساعدات من أجل إطعام مقاتليها، والإبقاء على سيطرتها على القطاع، وهو ما تنفيه الحركة.

وبدأت إسرائيل الأسبوع الماضي، السماح بدخول بعض المواد الغذائية إلى القطاع لأول مرة منذ 2 مارس (آذار) الماضي، بما شمل الطحين (الدقيق) وغذاء الأطفال، لكنها أعلنت عن بدء العمل قريباً بنظام جديد برعاية أمريكية، يديره متعاقدون من القطاع الخاص.

وستشمل الخطة مراكز توزيع في مناطق تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، وهي خطة عارضتها الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة، قائلة إنها ستؤدي إلى مزيد من نزوح السكان، وإن المساعدات يجب أن تتدفق عبر الشبكات القائمة.

إنفوغراف 24.. ما هي الخطة الأمريكية لمساعدات غزة؟ - موقع 24تهدف مؤسسة مدعومة من الولايات المتحدة، إلى بدء العمل في قطاع غزة بحلول نهاية مايو (أيار) الجاري، للإشراف على نموذج جديد لتوزيع المساعدات في القطاع الفلسطيني، لكن الأمم المتحدة تقول إن الخطة تفتقر للنزاهة والحياد ولن تشارك فيها.

وقالت ميرفت إن أسرتها لم تر أي أثر للمساعدات الجديدة حتى الآن، ويمزقها القلق على طفلتها لمى، التي كان وزنها 5 كيلوغرامات عند وزنِها الأسبوع الماضي. ووفقاً لإحصائيات منظمة الصحة العالمية، يعادل هذا حوالي نصف متوسط وزن طفلة سليمة عمرها عام واحد. وأضافت أن الأسرة لم تحصل هذا الأسبوع إلا على وجبة واحدة يومياً لتتقاسمها، وذلك في أحسن الظروف.

وقال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية هذا الأسبوع، إن حجم المساعدات الذي تقترح إسرائيل السماح بدخوله إلى غزة، "قطرة في محيط" مما هو مطلوب.

"مالناش كلمة في الحرب"

والخيمة التي تعيش فيها ميرفت وأطفالها، كبيرة ومستطيلة الشكل ومعلق على أحد جوانبها صورة لزوجها الراحل، وأبيهم محمد فوق حشية رقيقة وبعض الجرار الفارغة في معظمها، والأوعية البلاستيكية المكدسة.

وتنحدر الأسرة من حي الصبرة بمدينة غزة بشمال القطاع، حيث تركز الهجوم الإسرائيلي في بداية الحرب، وقررت الفرار من الحي يوم مقتل محمد في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

وتوجه أفراد الأسرة جنوباً إلى منطقة دير البلح بوسط غزة، حيث أقاموا في البداية مع أقارب لهم قبل الانتقال إلى مخيم للنازحين. وعادوا إلى مدينة غزة بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في يناير (كانون الثاني) الماضي، ليجدوا منزلهم قد تضرر، وهم الآن يعيشون في مخيم للنازحين.

وقالت ميرفت إن "الجوع يُشعرهم جميعاً بالضعف، وغالباً ما يفتقرون إلى الطاقة الكافية حتى لتنظيف خيمتهم". وعندما زيارة الوكالة للمكان، كان بعض الأطفال ممددين على الأرض في صمت. ولكن لا يزال لديهم عمل ينجزونه.

فكثيراً ما ترسَل منَّى للوقوف في طابور المطبخ الخيري. وتقول أمها إنها تصل قبل ما يزيد على ساعة من فتحه، لعلمها أنه لولا ذلك لما حظيت بفرصة الحصول على الطعام، وغالباً ما تنتظر ساعة أخرى قبل أن يقدم لها الطعام.

وفي الأيام التي لا تصل فيها المياه إلى قسمهم من المخيم بواسطة شاحنة صهريج، يضطر مصطفى (15 عاماً) وعلي (13 عاماً) إلى السير إلى صنبور مياه في منطقة أخرى، وحمل عبوات بلاستيكية ثقيلة إلى الخيمة، في مهمة شاقة ازدادت صعوبة بسبب جوعهما.

ويتذكر الجميع حياتهم قبل الحرب، ويتحدثون عن وجباتهم التي اعتادوا الاستمتاع بمذاقها. كان محمد حجازي سباكاً ويكسب أجراً جيداً.

وقالت زوجته، وهي تتذكر وجبات الإفطار المكونة من البيض والفاصوليا والفلافل والجبن والزبادي والخبز، ووجبات الغداء والعشاء المكونة من اللحم والأرز والدجاج والخضراوات: "الناس كانوا بيحسدوني على أنواع الأكل اللي كنا نأكلها زمان". وتحدثت ابنتها ملك (16 عاماً) عن البرجر والشوكولاتة والكوكاكولا.

وأضافت ميرفت "إحنا مدنيين، مالناش كلمة في الحرب والسلام، كل اللي بدنا إياه إنه الحرب تنتهي، ونرجع تاني على بيوتنا، بيوتنا الحقيقية، بدنا ننام وبطونا مليانة شبعانين، وننام بسلام مش خايفين نموت، وإحنا نايمين من القصف".