مولدة بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 29 يونيو 2026 / 00:26
مع اتساع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق والذاكرة، لم يعد الأمر مجرد صعود في أسهم التكنولوجيا، بل بدأت هذه الطفرة تدخل مرحلة أكثر حساسية، تثير تساؤلاً جوهرياً: من يدفع كلفة هذا السباق؟
لم يعد الطلب الكبير والمتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يضغط على شبكات الكهرباء وحدها، بل بات يسهم أيضاً في رفع أسعار مكونات أساسية للاقتصاد الرقمي، من شرائح الذاكرة ووحدات التخزين إلى الخوادم والأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية. ونتيجة لذلك، بدأ يظهر في الأسواق مصطلح جديد هو "تضخم الرقائق"، الذي يعبر عن انتقال الكلفة من مراكز البيانات إلى سلاسل توريد التكنولوجيا الأوسع، ما دفع بنك التسويات الدولية إلى التحذير من أن طفرة الذكاء الاصطناعي، رغم قدرتها على رفع الإنتاجية، أصبحت تمثل إحدى بؤر القلق في الاقتصاد العالمي.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يُتوقع أن يسهم في تعزيز النمو والإنتاجية على المدى الطويل، فإنه يخلق في الوقت الراهن طلباً متزايداً على الرقائق الإلكترونية والطاقة ومراكز البيانات، وهو ما يرفع تكاليف الشركات، وقد ينتقل تدريجياً إلى أسعار الأجهزة والخدمات الرقمية التي يتحملها المستهلك.
من طفرة أسهم إلى اقتصاد حقيقي
وفقاً لمنصة "ماركت ووتش" المالية الأمريكية، لم يعد الذكاء الاصطناعي يدفع أسواق الأسهم فقط، ولكن بدأ ينعكس على الاقتصاد الأمريكي الحقيقي، لافتة إلى أن استثمارات التكنولوجيا تساهم في نمو الناتج المحلي خلال الفصول الأخيرة.
وتشير المنصة إلى أن إنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى على البنية التحتية قد يتجاوز تريليون دولار في 2026، ويشمل ذلك الرقائق ومراكز البيانات والشبكات والطاقة، موضحة أن هذه الاستثمارات أضافت نحو 0.8 نقطة مئوية إلى نمو الناتج المحلي الأمريكي في الربع الأول من العام الجاري 2026، و0.7 نقطة مئوية في الربع الأخير من العام الماضي 2025.
وتعد هذه الأرقام ترجمة لحماس الأسواق، فالذكاء الاصطناعي لا يظهر فقط في تقييمات الشركات، بل في الطلب الحقيقي على المعدات والطاقة، ولكن في الوقت نفسه يفتح باباً جديداً للتضخم، ومع كل مركز بيانات جديد، لا تحتاج الشركات إلى برامج فقط، بل إلى أراضٍ، وطاقة، ومعدات تبريد، وخوادم، ومعالجات، وذاكرة عالية الأداء، وكلما تسارع الطلب، زادت قدرة الموردين المحدودين على رفع الأسعار.

شركات الذاكرة الرابح الأكبر
تقول صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، إن شركات صناعة شرائح الذاكرة أصبحت من أكبر المستفيدين من الطفرة، بسبب ارتفاع أسعار بعض أنواع الذاكرة بشكل كبير مع زيادة الطلب من مراكز البيانات وشركات الحوسبة السحابية، على الرغم من أن الزيادة في الشحنات كانت محدودة، وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من المكاسب جاء من قوة التسعير وليس من بيع كميات أكبر فقط.
تحذيرات من "فقاعة استثمارية" في الذكاء الاصطناعي - موقع 24يحذر بنك التسويات الدولية "بي.آي.إس" (بنك البنوك المركزية في العالم) من أنّ موجة التفاؤل والاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الإصطناعي قد تتحول إلى فقاعة استثمارية تنتهي بانهيار طويل الأمد، بما يهدد الأسواق المالية والاقتصاد العالمي.
من مراكز البيانات إلى الأجهزة
وتقول وكالة "رويترز" للأنباء، إن ظاهرة "تضخم الرقائق" بدأت تظهر في أسواق التكنولوجيا، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف شرائح الذاكرة بسبب الطلب القوي من مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن بعض الشركات الكبرى ومن بينها شركة "أبل" تواجه ضغوطاً سعرية على بعض المنتجات وارتفاع تكلفة المكونات.
وتحذر مؤسسة "مورغان ستانلي" من أن تضخم الرقائق قد ينتقل من مراكز البيانات إلى الاقتصاد الأوسع، بعد ارتفاع أسعار بعض شرائح الذاكرة عدة مرات خلال العام الماضي، بسبب الطلب الكبير من شركات التكنولوجيا الكبرى على البنية التحتية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وتظهر مشكلة تتعلق بمصانع الرقائق التي لا تستطيع تلبية كل الطلبات في الوقت نفسه، وعندما تمنح الشركات أولوية للشرائح الأعلى المستخدمة في مراكز البيانات، يؤثر ذلك على إمدادات المكونات المستخدمة في السلع الاستهلاكية، مثل الهواتف والحواسيب، وهنا تبدأ الأزمة في الاقتراب من المستهلك، لاضطرار شركات الأجهزة اللجوء إلى أحد الخيارين، إما القبول بهوامش ربح أقل، أو نقل جزءا من الزيادة في أسعار الهواتف والأجهزة باختلاف أنواعها إلى المستهلك.
المستهلك يدخل الحلقة
تقول صحيفة "لوموند" الفرنسية، إن أسعار الإلكترونيات الاستهلاكية، خصوصاً الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية وأجهزة الألعاب، شهدت ارتفاعات ملحوظة منذ بداية العام الجاري نتيجة الأزمة التي شهدتها إمدادات أشباه الموصلات ومكونات الذاكرة والتخزين.
وتربط الصحيفة هذه الموجة بارتفاع طلب صناعة الذكاء الاصطناعي على مراكز البيانات، إلى جانب الاضطرابات الجيوسياسية التي أثرت في الطاقة والتجارة والمواد الخام، مشيرة إلى أن أسعار بعض مكونات الذاكرة والتخزين ارتفعت بأكثر من 130% في بعض الحالات.
وهذا لا يعني أن كل جهاز سيصبح أغلى بشكل فوري، أو أن المستهلك سوف يتحمل الكلفة الكاملة في خطوة واحدة، ولكن تكشف هذه المستجدات أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تعد محصورة في بورصات التكنولوجيا، ولكنها بدأت تترك أثراً في سلع يستخدمها المستهلك العادي.

هل يصبح الذكاء الاصطناعي مصدراً للتضخم؟
يُعد "تضخم الرقائق" تضخماً مختلفاً عن الذي تتسبب فيه السلع الأخرى، لأن الذكاء الاصطناعي لا يرفع الأسعار بتقليل المعروض من السلع، بل لأنه يخلق طلباً جديداً وسريعاً على سلع رأسمالية وتكنولوجية محدودة، في وقت تحتاج فيه زيادة الطاقة الإنتاجية إلى سنوات واستثمارات ضخمة.
وعلى الرغم من تهديد التضخم على المدى القريب، إلا أن الصورة ليست سلبية بشكل كبير، لأن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية على المدى البعيد، ويخفض تكاليف بعض الخدمات، ويفتح الباب أمام نماذج عمل أكثر كفاءة.