يشهد سوق السلع الفاخرة استقراراً بعد عامين عجاف
يشهد سوق السلع الفاخرة استقراراً بعد عامين عجاف
الجمعة 3 يوليو 2026 / 16:58

1.7 تريليون دولار.. قطاع "السلع الفاخرة" يستعيد توازنه

رغم حال عدم اليقين تجاه مؤشرات الاقتصاد الكلي، يشهد سوق السلع الفاخرة استقراراً بعد عامين عانى فيهما من تراجع الطلب مدفوعاً بتبدل شهية (جيل زد) الاستهلاكية حيال العلامات التجارية الكبرى. وثمة توقعات بمواصلة نمو الإنفاق العالمي على السلع الفاخرة في 2026، لكن بوتيرة "هادئة" تتراوح بين 0 و2% على أساس أسعار صرف ثابتة. فوفق السيناريو الأساسي لخبراء القطاع، يتوقع استقرار حجم السوق عند 1.67 تريليون دولار، مقارنة بـ1.64 تريليون دولار في 2025.

في 2024 انكمش السوق بنسبة 2% لأول مرة، بخسارة نحو 50 مليون مستهلك، وهو حدث نادر لم يتكرر إلا مرتين منذ الأزمة المالية العالمية، خلال 2008-2009، وأثناء جائحة 2020

وعلى المدى الطويل، يتوقع الخبراء أن يستعيد القطاع زخمه بحلول عام 2030، مع نمو سنوي  بين 4 و6%، تقوده أسواق الصين والولايات المتحدة، وفق تقرير صادر عن ماكنزي، استند إلى بيانات أكثر من 2000 متعامل مع السلع الفاخرة من مختلف شرائح الإنفاق في أكبر اقتصادين عالمياً.

في 2024 انكمش السوق بنسبة 2% لأول مرة، بخسارة نحو 50 مليون مستهلك، وهو حدث نادر لم يتكرر إلا مرتين منذ الأزمة المالية العالمية، خلال 2008-2009، وأثناء جائحة 2020. ولعل السبب الرئيس في تقليص قاعدة عملاء القطاع خلال العامين الماضيين، استمرار انخفاض الإنفاق على السلع الفاخرة لدى جيل زد، فوفق تقرير صادر عن شركة الاستشارات الأمريكية "بَين آند كومباني” (Bain & Co) غير الربحية، سجل سوق السلع الفاخرة الشخصية، الذي يشمل الأزياء والمنتجات الجلدية والساعات والمجوهرات ومستحضرات التجميل، تراجعاً إلى 407.78 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ 414.62 مليار دولار في 2024.

أما سيناريو النمو المتوقع فيرتكز على عدة عوامل متغيرة، أبرزها استمرار تراجع التوترات في الشرق المتوسط وتعافٍ أكبر للسوق الأمريكية وتسارع تعافي السوق الصينية مع استقرار الإنفاق المحلي، فمع تحسن الظروف الجيوسياسية بشكل أكبر، قد يرتفع النمو إلى 4–6% في 2026.

وتصمد جاذبية سوق السلع الفاخرة رغم وتيرة تعافيه المتباطئة، مدفوعاً بانتقائية سلوكيات المستهلكين، الذين لم يعودوا مستعدين لدفع هوامش سعرية باهظة لقاء منتجات تبدو مكررة أو منفصلة عن واقع أسلوب حياتهم. وفي هذا السياق، تؤكد "فيديريكا ليفاتو" الشريكة في مؤسسة "بين آند كومباني" ورئيسة قطاع الأزياء والرفاهية لمنطقة أوروبا والشرق المتوسط وأفريقيا على ضرورة التغيير قائلة: "لضمان النمو المستقبلي، يتعين على العلامات الفاخرة إعادة اكتشاف قيمها الجوهرية الفريدة، بالتوازي مع تبني استراتيجيات التخصيص، والابتكار التجريبي، والحلول التقنية المتطورة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي".

وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في دولة الإمارات، حيث بات الذكاء الاصطناعي ركيزة سيادية في تجربة التسوق الرقمي لـ 85% من المستهلكين، وفق دراسة سنوية عن شركة "فيزا" في يونيو (حزيران) الماضي، المخصصة في رصد وتكامل سلوكيات المستهلكين ووعيهم تجاه منظومة التجارة الرقمية.

وفي هذا السياق، تشير Bain إلى أن نصف مستهلكي الفخامة تقريباً استخدموا بالفعل أدوات الذكاء الاصطناعي في رحلة التسوق، وجميعهم تقريباً يعتزمون استخدامها مجدداً. كما يستخدم 25% منهم هذه الأدوات لاكتشاف علامات جديدة، و65% لمقارنة المنتجات، لكن هذا التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يزيد من وعي المستهلكين بالمنتجات وطرق التصنيع والمواد، ما يرفع سقف التوقعات بشأن القيمة مقابل السعر، فالإكسسوارات الجلدية الصغيرة والمنتجات الفاخرة منخفضة السعر نسبياً، مازالت تجذب اهتمام جيل زد.

كما تتفوق "تجارب الفخامة" على المنتجات المادية، فالمشاعر الإيجابية تجاه تجارب الرفاهية تنمو بمعدل أسرع بـ 1.5 مرة مقارنة بالسلع المادية حتى بداية 2026، ما يعكس تحولاً أعمق في أولويات الإنفاق لدى المستهلكين، فالحصة الأكبر من إنفاقهم تتجه نحو السفر والطعام والعافية والتجارب التي تترك أثراً عاطفياً، وهذا يفسر لماذا تشهد قطاعات مثل الضيافة الفاخرة، والطائرات الخاصة، واليخوت، والرحلات البحرية، وتجارب الطعام الفاخر أداءً أفضل من العديد من فئات المنتجات، فقد ارتفعت الحجوزات التجريبية في قطاعي الترفيه والطعام بنسبة 30%، بينما زاد السفر خارج الوجهات التقليدية بنسبة 20%.

ويحتل "الارتباط العاطفي" في كل من الولايات المتحدة والصين، مرتبة متقدمة كأحد أهم محركات جاذبية العلامات التجارية، متقدماً على معايير الرفاهية التقليدية، مثل الحرفية والإرث والتاريخ، فالمستهلكون يفضلون العلامات التي تعكس هويتهم الشخصية وتتماشى مع طموحاتهم. كما أصبحت الرياضة منصة مهمة للعلامات الفاخرة، فأكثر من 80% من قيمة سوق الرفاهية ترتبط بعلامات ترعى تجارب رياضية خلال آخر 12 شهراً.

وتشهد الولايات المتحدة أداءً أقوى مدفوعاً بزيادة الإنفاق على الأزياء والسلع الفاخرة ومستحضرات التجميل، حيث نمت إيرادات العلامات الفاخرة الأمريكية بنحو 10% إلى 15% في الربع الأول (باستثناء تأثيرات أسعار الصرف)، أما الصين فتتحسن أيضاً، لكن التعافي يتم بحذر. فقد ارتفعت المبيعات الفاخرة عبر الإنترنت بنسبة 25% إلى 35% في الربع الأول، مع تفضيل أكبر للملابس الجاهزة على المنتجات الجلدية.

استثمار في العاطفة.. كيف تبني العلامات الفاخرة ولاء الأجيال عبر التحول الرقمي؟ - موقع 24تتجاوز العلامات الفاخرة المفهوم التقليدي الذي ينهي العلاقة عند نقطة البيع، حيث تنظر كبرى الشركات إلى رحلة العميل بوصفها رابطة مستمرة تتطور دائماً. 

أما أوروبا، تمثل نقطة ضعف بسبب إرهاق المستهلك المحلي، وانكماش السياحة من دول شرق المتوسط نتيجة الحرب، حيث تقلصت القاعدة الاستهلاكية الخليجية بنسبة 15 إلى 25% في الربع الأول من 2026، إضافة إلى انخفاض السياحة الأمريكية بسبب قوة اليورو. وقد تراجع إنفاق السياح الدوليين في أوروبا بنسبة 20% في فبراير (شباط) الماضي، لكن هناك مؤشرات على تحسن في الربع الثاني، إذ أظهرت بيانات استرداد الضرائب في مايو (أيار) ارتفاع إنفاق الزوار من الولايات المتحدة والصين وشرق المتوسط مقارنة بأبريل (نيسان)، ما يشير إلى بداية تعافٍ محتمل في الطلب السياحي.