صورة مولدة من الـ(AI)
الثلاثاء 7 يوليو 2026 / 12:03
تجسيداً لأبعاد التحالفات التسويقية الحديثة، تسعى شركات السيارات إلى استثمار الزخم الجماهيري للملاعب، إذ تضخ إحدى كبرى شركات السيارات الألمانية 90 مليون دولار سنوياً في صفقة رعاية لأحد أعرق الأندية الأوروبية، دون اشتراط ظهور علامتها التجارية على قمصان اللاعبين.
تؤكد الإحصائيات الدولية أن كرة القدم تشكل جزءاً رئيسياً من اهتمامات وثقافة نحو نصف سكان الكوكب، ما يتيح للعلامات التجارية، وفي مقدمتها شركات صناعة السيارات، آفاقاً هائلة للانتشار، من بوابات الأندية العملاقة.
أودي وبايرن ميونخ
منذ موسم 2002-2003، ترتبط "أودي" بالنادي "البافاري" في واحدة من أعمق شراكات السيارات في كرة القدم. ورغم أن الشركة لا تضع شعارها على الواجهة الرئيسية لقميص النادي البافاري—لكون هذه المساحة محجوزة حصرياً لشركة الاتصالات الألمانية العملاقة "Deutsche Telekom" —كالراعي الرئيسي التاريخي— إلا أن "أودي" تمتلك حقوق رعاية واستثمارات استراتيجية بالغة القوة داخل النادي.

ووفقاً لتقرير نشرته مجلة "كيكر" الألمانية، فإن العقد الحالي الممتد حتى 2029 يمنح النادي مبلغاً سنوياً يتراوح بين 65 و90 مليون دولار، لترتفع القيمة الإجمالية للصفقة على مدى 12 عاماً إلى أكثر من 1.1 مليار دولار، وهو رقم قياسي في عالم رعاية السيارات لكرة القدم.
لكن هذه العلاقة تقف اليوم أمام منعطف جديد، إذ ذكرت وكالة "بلومبرغ" ووسائل إعلام ألمانية، من بينها منصة التحقيقات "كوريكتيف"، أن مجموعة "فولكس فاغن" ــ الشركة الأم لـ"أودي ــ تدرس حالياً بيع حصتها في البايرن ضمن خطة إعادة هيكلة أوسع، مع مراجعة موازنتها الإعلانية والرياضية المخصصة لكرة القدم بشكل عام، بعدما أنفقت أكثر من 107 ملايين سنوياً على الإعلانات الرياضية في الأعوام الأخيرة.
بي إم دبليو وريال مدريد
اختارت الشركة الألمانية الفاخرة مساراً مختلفاً مع ريال مدريد منذ 2022، حيث ركزت شراكتها طويلة الأجل على الترويج لـ"التنقل المستدام" بدلاً من الحصول على حصة ملكية. وتشمل هذه الشراكة — التي تمر حالياً بموسمها الرابع على التوالي (2025-2026) — تزويد نجوم الفريق الأول وطاقمه الفني بسيارات كهربائية.
بموجب هذا الاتفاق، تُصنف "بي إم دبليو" كراعي رسمي من "الدرجة الثانية" خلف الرعاة الرئيسيين لقميص النادي "الملكي"، وتضخ في خزينته مبلغاً سنوياً يُقدر بنحو 8.1 ملايين دولار، وهو رقم أقل بكثير من صفقة أودي مع البايرن، لكنه يعكس نموذجاً تسويقياً مختلفاً يعتمد على الظهور اليومي والحضور البصري أكثر من الملكية المالية.

جيب ويوفنتوس
شهدت شراكة جيب، الممتدة منذ عام 2012، تحولاً مثيراً؛ فعلى عكس أودي التي تتجنب الظهور على القميص، اختارت العلامة الأمريكية التابعة لمجموعة "ستيلانتيس" النموذج التقليدي للرعاية عبر طباعة شعارها مباشرة على صدر قميص "السيدة العجوز". هذا الارتباط الوثيق يتجاوز حدود الرعاية التجارية العادية، إذ تعود ملكية المجموعة لعائلة "أنييلي" عبر شركتهم الاستثمارية "إيكسور"، وهي العائلة ذاتها التي تملك السيطرة المالية على النادي الإيطالي.
وبعد غياب مؤقت للعلامة عن القميص إثر انتهاء العقد الطويل بنهاية موسم 2023-2024 — والذي كانت قيمته السنوية تصل سابقاً إلى نحو 49 مليون دولار زائد الحوافز المرتبطة بالألقاب — عادت "جيب" رسمياً باتفاقية تجديد تمتد حتى 30 يونيو (حزيران) 2028 لتزين قمصان الفريق الأول للرجال والسيدات والأكاديمية.

وحسب ما نقلته شبكة "رويترز" وتقارير رياضية متخصصة، تبلغ القيمة الإجمالية الثابتة للعقد الجديد 77 مليون دولار، وضُخت بآلية توزيع مالي تدريجية؛ بدأت بـ4.3 ملايين دولار كجزء من فترة انتقالية سابقة، تليها 20.5 مليون دولار للموسم الأول (2025-2026)، لتصل القيمة إلى 25 مليون دولار سنوياً للموسمين المتبقيين، مع إدراج بنود تتيح تقليص هذه المبالغ في حال فشل يوفنتوس في التأهل للبطولات الأوروبية.
اعتمد يوفنتوس نموذج "الراعي المزدوج"، إذ تنفرد "جيب" بالظهور حصرياً في البطولات الدولية (يويفا وفيفا)، بينما تتشارك المساحة في البطولات المحلية (الدوري والكأس الإيطالي) مع هيئة السياحة الأمريكية "Visit Detroit"، ما يدر على خزينة النادي عائداً إضافياً يتراوح بين 5.5 و7.5 ملايين دولار سنوياً.
شيفروليه و"الشياطين الحمر"
ليست لكل الصفقات قصص نجاح. ففي عام 2012، وقعت "شيفروليه" الأمريكية عقداً مع مانشستر يونايتد الإنجليزي بقيمة إجمالية بلغت 559 مليون دولار على مدى 7 أعوام أي ما يعادل نحو 74 إلى 77 مليون دولار سنوياً، لوضع شعارها على صدر القميص.
ونقلت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية عن مصادر داخل "جنرال موتورز" —المالكة لـ"شيفروليه"— أن الشركة دفعت مبلغاً مبالغاً فيه منذ اللحظة الأولى مقارنة بالراعي السابق؛ شركة "أيون" الصينية المتخصصة في صناعة السيارات الكهربائية الذكية، والتي كانت تدفع 32 مليون دولار سنوياً.
وبانتهاء العقد وانسحاب شيفروليه من السوق الأوروبية، حلت محلها "تيم فيوور" الألمانية بعقد بلغت قيمته نحو 59 مليون دولار سنوياً، لكنها سرعان ما واجهت ضغوطاً عنيفة من مستثمريها بسبب تراجع قيمتها السوقية، ما اضطرها لإنهاء رعاية واجهة القميص في يونيو (حزيران) 2024.
هذا التعثر مَهد الطريق لدخول الراعي الحالي "سنابدراجون" (المملوكة لشركة كوالكوم العالمية) مع انطلاق موسم 2024-2025، بصفقة ضخمة تُقدر بـ75 مليون دولار سنوياً، والتي تم تمديدها حتى عام 2029 نتيجة المبيعات القياسية للقمصان.

من الأندية إلى المنتخبات والبطولات
لا تكتفي شركات السيارات بالأندية الكبرى، فبعضها يفضل الاستثمار في الانتشار الجغرافي الواسع عبر رعاية الاتحادات والبطولات مباشرة.
وتُعد "فولكس فاغن" أكبر منفق في هذا القطاع عالمياً، برعايتها الاتحاد الألماني لكرة القدم، إضافة إلى شراكتها مع بطولات "يويفا" الأوروبية بقيمة تقارب 80 مليون دولار للبطولة الواحدة.
أما "هيونداي" و"كيا"، فتربطهما شراكة تاريخية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" منذ عام 1999، تضمن ظهورهما كشريك التنقل الرسمي في كل نسخ كأس العالم، بقيمة تقارب 80 مليون دولار سنوياً، وفق تقديرات منصات متخصصة في تتبع عقود الرعاية الرياضية مثل "سبورتكال" و"غلوبال داتا سبورت".
سفراء العلامات التجارية
إلى جانب الأندية والاتحادات، تتجه بعض شركات السيارات مباشرة نحو اللاعبين أنفسهم كسفراء للعلامة التجارية، مستغلة تأثيرهم الشخصي وحساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي للوصول السريع إلى المستهلك. ويعتمد هذا النموذج على ربط صورة السرعة والأداء الديناميكي للاعب بهوية السيارة تسويقياً، عبر تزويد النجوم بسيارات حصرية وظهورهم في الحملات الإعلانية للعلامة.
لماذا تستثمر شركات السيارات في كرة القدم؟
ووفقاً لدراسة وكالة "سبورتفايف"، تتفوق الرعاية الرياضية بوضوح على الإعلانات التقليدية، محققةً أداءً أفضل بنسبة 58% بين المشجعين، وزيادة في تفضيل العلامة التجارية بنسبة 40%. كما تحرك المبيعات مباشرة بترسيخ رغبة الشراء لدى 53% من الجمهور، مقابل 44% فقط للإعلانات العادية، وهي المعادلة الرقمية التي تفسر سر تسابق عمالقة صناعة السيارات لربط أسمائهم بأبرز الأندية والبطولات العالمية.