رحلة الاحتياطي النقدي المصري
رحلة الاحتياطي النقدي المصري
الخميس 16 يوليو 2026 / 15:51

16 عاماً من التقلبات تنتهي برقم قياسي.. رحلة الاحتياطي النقدي المصري

بالتزامن مع ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 43.1 مليار دولار، خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي الجاري، من يوليو (تموز) 2025 حتى مايو (آذار) 2026، أعلن البنك المركزي المصري تسجيل ارتفاع قياسي في احتياطي النقد الأجنبي لأول مرة في تاريخ البلاد، مسجلاً 55.072 مليار دولار.

ووفق ما ذكره الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، خلال المؤتمر الصحافي الأسبوعي للحكومة، فإن الاحتياطي النقدي ارتفع بنحو ملياري دولار خلال شهر واحد، وهو ما يدعم الاستقرار المالي للدولة، ويعكس استمرار التحسن في مؤشراتها الاقتصادية، رغم التحديات الإقليمية والدولية الأخيرة.

وأشار في الوقت ذاته إلى أن الدولة المصرية مستمرة في تنفيذ برنامجها الإصلاحي، إلى جانب العمل على توسيع قاعدة الاحتياطات النقدية، لتعزيز قدرتها على مواجهة التغيرات الخارجية.

خارطة الاحتياطي النقدي المصري

منذ عام 2010 وحتى الآن، شهد احتياطي النقد الأجنبي في مصر مسارات صعود وهبوط متفاوتة، متأثراً بتقلبات سياسية واقتصادية داخلية، إضافة إلى متغيرات دولية وأزمات عالمية متلاحقة، ما جعل مساره بمثابة مرآة للتحولات التي شهدتها الساحة المصرية على مدار 16 عاماً.

فبعد موجة ارتفاع وصلت إلى  36 مليار دولار في نهاية 2010، جاءت أحداث يناير 2011 بتداعيات اقتصادية صعبة، إذ انخفض الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى 18 مليار دولار بنهاية عام 2011، ثم 15 مليار دولار في 2012، حتى وصل لأدنى مستوياته عند 13.424 مليار دولار في مارس (أذار) 2013، بانخفاض يقترب من 63%.

غير أن الدفعة التمويلية التي حصلت عليها مصر لاحقاً منحت دفعة قوية للاقتصاد، كما أدى الهدوء في المشهد السياسي المصري بعد تولّي الرئيس عبدالفتاح السيسي مقاليد الحكم إلى ارتفاع الاحتياطات الدولية من 15.332 مليار دولار في نهاية 2014، إلى 45.3 مليار دولار في 2019، أي بزيادة 197%.

أما عام 2020 فيمثل الانتعاشة الكبرى للاحتياطات النقدية الأجنبية بوصولها إلى 45.515 مليار دولار في فبراير (شباط)، قبل أن تنخفض مجدداً في نهاية العام بسبب تداعيات جائحة كورونا لتصل إلى 40.062 مليار دولار في ديسمبر (كانون الثاني). 

ومع دخول عام 2021، استمر الارتفاع بشكل متزايد حتى تخطى اليوم حاجز الـ 55 مليار دولار لأول مرة في تاريخ البلاد.

مصر تطوي صفحة صندوق النقد.. ماذا بعد؟ - موقع 24بعد نصف قرن من الدعم المالي وبرامج الإصلاح الممتدة، تستعد مصر لدخول حقبة جديدة بعيداً عن تمويلات وشروط صندوق النقد الدولي، وذلك بالتزامن مع الإعلان عن إعداد برنامج وطني شامل يقود المرحلة التالية للاقتصاد المصري.

ماذا تعكس تلك المؤشرات؟

يرى الخبير الاقتصادي سمير رؤوف، في حديثه لـ"24"، أن تجاوز احتياطي النقد الأجنبي في مصر مستوى 55 مليار دولار يعد مؤشراً إيجابياً بالطبع، لكنه لا يمثل بمفرده دليلاً على تعافي الاقتصاد، لأن الاحتياطي يمثل أحد مكونات الصورة الاقتصادية الكاملة. 

ويوضح "رؤوف" أن الاحتياطي عبارة عن حزمة من الأصول تضم الذهب والسيولة بالعملات الأجنبية وأدوات أخرى، ويهدف بالأساس إلى تغطية التزامات الدولة الخارجية، سواء سداد الديون قصيرة الأجل أو تمويل الواردات الأساسية من السلع الاستراتيجية مثل القمح وغيرها.

ويضيف أن تقييم قوة الاقتصاد لا يعتمد على الاحتياطي النقدي وحده، وإنما على مجموعة واسعة من المؤشرات، تشمل أداء الصادرات والواردات، والميزان التجاري، والاستثمارات، والتدفقات الدولارية من السياحة، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، وحركة التجارة والموانئ، وغيرها من مصادر النقد الأجنبي، باعتبارها جميعاً تعكس قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة.

مصر تخطط لإدراج ​4 شركات مملوكة للدولة ​في البورصة - موقع 24تكثف الحكومة المصرية خطواتها لتعزيز ملف الاستثمارات الأجنبية والمحلية، من خلال تيسير العديد من الإجراءات الإدارية، والعمل على اتخاذ القرارات الاقتصادية الداعمة لذلك.

ثقة استثمارية وتحديات صعبة

في الوقت ذاته، شدّد الخبير الاقتصادي على أن ارتفاع الاحتياطي يمنح الدولة درجة أكبر من الثقة والقدرة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، كما يعزز مرونتها في جذب الاستثمارات الأجنبية، إذ ينظر المستثمر إلى الاحتياطي باعتباره مؤشراً على قدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي اللازم لتحويل الأرباح، أو خروج الاستثمارات عند الحاجة.

لكنه أوضح أن المستثمر لا يبني قراره على هذا المؤشر فقط، بل يدرس أيضاً استقرار سعر الصرف، والسياسات الضريبية، وأداء البورصة، وغيرها من المؤشرات التي تعكس البيئة الاستثمارية بشكل عام.

وأشار سمير رؤوف إلى أن هناك تحديات قد تواجه الاحتياطي خلال الفترة المقبلة، أبرزها الالتزامات الخارجية قصيرة الأجل، التي تتطلب توفير سيولة دولارية بشكل مستمر، إلى جانب ما يُعرف بالأموال الساخنة، وهي الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل التي قد تغادر السوق سريعاً، ما يفرض ضغوطاً على الاحتياطي إذا تزامن خروجها مع استحقاقات خارجية كبيرة. 

وفي نهاية حديثه، أكد "رؤوف" أن هذه التحديات لا تخص مصر وحدها، وإنما تواجه معظم الاقتصادات، وأن الحفاظ على قوة الاحتياطي يرتبط باستمرار تدفقات النقد الأجنبي من مصادرها المختلفة، مع إدارة متوازنة للالتزامات الخارجية.