الخميس 20 أغسطس 2026 / 13:34
تحولت اليابان من وجهة سياحية مرتفعة الكلفة إلى مقصد أكثر جاذبية للأجانب بفضل ضعف الين، الذي جعل الإقامة في الفنادق وتناول الطعام أقل كلفة، خصوصاً لحاملي اليورو، بعدما فقدت العملة اليابانية ثلث قيمتها أمام العملة الأوروبية الموحدة خلال 5 سنوات.
في المقابل، زادت كلفة المعيشة على اليابانيين، خصوصاً الطبقة المتوسطة، فيما رفع ضعف الين فاتورة الواردات على الشركات المعتمدة على المنتجات الأجنبية، وفق وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ).
وقبل نحو أسبوعين، تدخلت اليابان، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، في سوق الصرف الأجنبي للمرة الأولى منذ عقود، في محاولة لدعم الين الذي كان يعاني ضعفاً تاريخياً.

وكانت العملة اليابانية هبطت في بعض الأوقات مقابل الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياتها منذ نحو 40 عاماً. غير أن هذا التدخل لم يؤدِّ سوى التقاط مؤقت للأنفاس؛ فعلى الرغم من أن الين ارتفع بالفعل بعض الشيء، فإن أثر التدخل سرعان ما تلاشى إلى حد كبير.
الهبوط
وكان انخفاض قيمة العملة اليابانية لفترة من الوقت جزءاً من السياسة الاقتصادية التي تبنتها طوكيو، إذ جعل رئيس الوزراء الأسبق شينزو آبي، الذي اغتيل في 2022، من السياسة النقدية شديدة التيسير محوراً أساسياً لنهجه الاقتصادي.
وجاء ذلك في وقت شهد فيه الناتج المحلي الإجمالي لليابان شبه ركود منذ تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع معاناة الاقتصاد من الانكماش وشيخوخة المجتمع. واعتمدت حكومة آبي أسعار فائدة صفرية وتيسيراً في منح القروض لإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، فيما ساهم ضعف الين في جعل الصادرات اليابانية أكثر جاذبية في الأسواق العالمية.
غير أن هذه الاستراتيجية لم تحقق النجاح المأمول إلا بشكل جزئي؛ فبرغم أن الصادرات اليابانية سجلت ارتفاعاً ملموساً بالفعل في السنوات التالية، إلا أن الأجور الحقيقية للسكان لم ترتفع بالوتيرة نفسها، كما أن نمو الناتج المحلي الإجمالي المأمول لم يتحقق إلى حد كبير.
أسعار الفائدة
وقبل نحو خمس سنوات، تفاقم الوضع بدرجة أكبر لأسباب تتعلق بطبيعة سياسة أسعار الفائدة: فبينما رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) أسعار الفائدة بشكل متسارع وكبير لمواجهة التضخم المستعصي في الولايات المتحدة، أبقت اليابان في البداية على سياسة الفائدة المنخفضة دون تغيير.
ومع اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة التي تقترب من الصفر في اليابان وأسعار الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة، أصبح من المغري بشكل متزايد للمستثمرين الدوليين اقتراض الين بشروط ميسرة لشراء الدولار، الذي كان يتيح بدوره عوائد فائدة مرتفعة نسبياً. وفي الأوساط الاقتصادية، تُعرف هذه التجارة المربحة في العملات باسم "تجارة فروق أسعار الفائدة"، أو "كاري تريد".
ويرتبط ضعف الين أيضاً بعوامل تاريخية تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما شهدت اليابان، على غرار ألمانيا خلال سنوات المعجزة الاقتصادية، طفرة اقتصادية سريعة، بحسب (د ب أ).
وكانت اليابان بحاجة إلى تعويض نقص كبير في الاستثمارات، لكنها استفادت في المقابل من قوة عاملة جيدة التعليم والتدريب. ومع انتهاج سياسة صناعية شاملة، والارتفاع المتسارع في الإنتاجية، وانخفاض كلفة العمالة نسبياً، توسعت الصادرات اليابانية في الأسواق العالمية.
فوائض التجارية
غير أن الولايات المتحدة بصفة خاصة، والتي رأت في صعود اليابان تهديداً لريادتها التكنولوجية، انتقدت الفوائض التجارية الهائلة لليابان ووصفتها بأنها غير عادلة. واتهمت واشنطن الحكومة اليابانية بإبقاء قيمة الين منخفضة بشكل مصطنع لجعل صادراتها أكثر قدرة على المنافسة. وتشبه الانتقادات الأمريكية لليابان، من حيث المبدأ، الاتهامات التي تُوجَّه أيضاً إلى جمهورية الصين الشعبية منذ عدة سنوات.
وفي 1985، أدى الضغط الأمريكي إلى إبرام ما عُرف باسم "اتفاق بلازا" بين الدول الصناعية الكبرى آنذاك؛ إذ اتفقت تلك الدول على تخفيض قيمة الدولار مقابل الين، وكذلك مقابل المارك الألماني.
وبعد 40 عاماً، عاد سعر صرف الين مقابل الدولار إلى إثارة المخاوف من جديد. فبالنسبة للاقتصاد الياباني، باتت الآثار السلبية لضعف العملة تفوق آثارها الإيجابية. ونظرياً، توجد وسيلة بسيطة لتعزيز قيمة الين، تتمثل في أن يعاود البنك المركزي الياباني رفع سعر الفائدة الرئيسي.
وكان البنك المركزي شرع بحلول هذا الصيف في تغيير مسار سياسته؛ إذ يبلغ سعر الفائدة الرئيسي حالياً 1%، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من 30 عاماً. غير أن على البنك المركزي أن يتوخى الحذر في هذا الإجراء، إذ قد يؤدي رفعها بسرعة كبيرة إلى موجة إفلاس واسعة النطاق بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي يعتمد كثير منها على قروض منخفضة التكلفة وقد يواجه صعوبة في سدادها عند ارتفاع أسعار الفائدة.
شيخوخة متسارعة
تواجه اليابان صعوبة في تنشيط اقتصادها بشكل مستدام؛ إذ تعاني البلاد من شيخوخة متسارعة بين السكان، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع مستمر في نسبة السكان العاملين. فضلاً عن ذلك، تتجاوز ديون الدولة 200% من ناتجها المحلي الإجمالي بكثير، لتسجل بذلك واحدة من أعلى نسب الدين العام في العالم.
وفي ظل هذه المعطيات، لم ترَ صحيفة "وول ستريت جورنال" في اقتصار آثار تدخلات سوق الصرف على المدى القصير أمراً مفاجئاً. ففي تعليق نُشر في مطلع الشهر الجاري، قدمت الصحيفة المالية الأمريكية المرموقة نصيحة محددة، قائلة إن "الخطة الأفضل لإنقاذ الين تتمثل في تخفيض الإنفاق الحكومي وإجراء إصلاحات جديدة لتحفيز النمو الاقتصادي، بما يجعل اليابان بيئة أكثر جاذبية للاستثمار".