صورة تعبيرية (Pexels)
الأربعاء 23 سبتمبر 2026 / 12:50
خلال أيام قليلة، تراكمت إشارات يصعب فصلها عن بعضها اقتصادياً، حكومتا بريطانيا وفرنسا تطلبان من المواطنين الاستعداد لحالات طوارئ وتخزين بعض المواد الغذائية، وروسيا تحذر بولندا من أنها قد تختفي خلال ثلاثة أيام في حال اندلاع مواجهة عسكرية معها.
في ظل اعتماد 80% من التجارة الدولية على النقل البحري، فإن استمرار اضطرابات الملاحة يعني أن كلفة التصعيد العسكري الباهظة ربما تقود الحرب إلى "معادلة إنهاك متبادل"، يبدأ فيها الاقتصاد بالضغط على زناد التهدئة.. رغماً عن الجميع.
الحرب الأوكرانية تصاعدت أيضاً بوتيرة تضغط بصورة أكبر على منشآت الطاقة والمصافي الروسية، وموسكو ترد بتهديدات وتحركات عسكرية تبقي احتمالات اتساع المواجهة مفتوحة.
وفي شرق المتوسط، تأتي التوترات حول مضيق هرمز واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب فوق هذا المشهد، بالتزامن مع تهديدات أمريكية إيرانية متبادلة، حذّر خلالها الرئيس دونالد ترامب من أن إيران ستواجه انهياراً اقتصادياً أو استهداف قياداتها إذا لم تتوصل إلى اتفاق، في حين توعّد الجيش الإيراني برد قاسٍ على أي هجوم أمريكي جديد.
وفي واشنطن دخلت أزمة الوقود الروسية إلى الحسابات السياسية، بعدما طلب ترامب من أوكرانيا وقف استهداف المصافي ومنشآت إنتاج الديزل الروسية، لأن الهجمات تعمّق نقص الوقود وترفع الأسعار عالمياً.
حتى في مصر انتقلت أصداء هذه المخاطر إلى الخطاب الإعلامي، فقد حذّر إعلاميون، بينهم عمرو أديب، من ظروف اقتصادية صعبة للغاية حتى نهاية العام، داعيين المواطنين إلى "ربط الأحزمة"، لأن ما يحدث في الأسواق العالمية وما قد تؤول إليه التطورات خلال الأشهر المقبلة سينعكس على مصر بشكل مباشر.
ضبابية المشهد الاقتصادي
كل واقعة لها حساباتها السياسية والعسكرية، وكل تصريح إعلامي له أسبابه ودوافعه، لكن اجتماعها في أيام معدودة يثير الريبة والقلق اقتصادياً، ويقود المؤسسات للتساؤل حول مصير الأسواق العالمية في ظل هذه التوترات المتفرقة.
وربما تكون إشارة جيه بي مورغان هي الأوضح على خطورة وضبابية المشهد في آن واحد، ففي 17 سبتمبر (أيلول) الجاري قال البنك إنه لأول مرة منذ بدء الحرب الإيرانية لم يعد يملك سيناريو واضحاً لمسار سوق النفط، ولا يعرف كيف يمكن نمذجة نهاية هذا الصراع.
وقدّر البنك القيمة العادلة لخام برنت عند 90 دولاراً في سبتمبر (أيلول)، مقابل تداولات تصل إلى 106 دولارات، مع تقدير تعطّل 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات.
وتتعدى هذه الأرقام كونها مجرد فجوة بين السعر المتوقع وسعر السوق، لتجسد علاوة المخاطر التي باتت الأسواق مستعدة لتقديمها مقابل التحوط ضد استمرار انقطاع الإمدادات، خاصة بعد تراجع المخزونات العالمية من الخام ومشتقاته بـ 555 مليون برميل منذ بداية الأزمة.
على الجانب الآخر، شكّل انخفاض الطلب العالمي بمعدل 4.4 مليون برميل يومياً امتصاصاً جزئياً لتأثير الصدمة على الأسواق حتى الآن.

غير أن مساحة الأمان هذه تبقى مؤقتة ومحدودة، لأن تصاعد الضغط على إمدادات الوقود جعل المخاوف تصل إلى ما هو أبعد من النفط الخام، حيث تجاوز برنت مستويات 100 دولار للبرميل، ووصل الخام الأمريكي إلى ما يفوق 102 دولار، بالتوازي مع قفزة الديزل الأمريكي لـ 6.5 دولار للغالون.
والديزل تحديداً يربط سوق الطاقة بباقي الاقتصاد، لأنه يدخل في تشغيل الشاحنات، السفن، المعدات الزراعية، مواقع البناء والتعدين والمولدات، ما يشير إلى أن ارتفاعه سينتقل سريعاً إلى تكلفة نقل وإنتاج السلع.
الديزل يحصد "ثمار" الحرب.. أسعار قياسية وأرباح استثنائية للمصافي - موقع 24ارتفعت أسعار الديزل عالمياً 76.1% خلال ستة أشهر، من 92.90 دولار للبرميل في 27 فبراير (شباط) إلى 163.56 دولار في الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري، متجاوزة بوضوح ارتفاع البنزين البالغ 49.5% خلال الفترة نفسها.
أين الأزمة الحقيقية؟
في الواقع، عقدة المشهد اليوم ليست في "كم ننتج؟" بل في "كيف يصل النفط؟"، فشلل طرق الملاحة وضع الناقلات أمام خيارات أحلاها مُرّ وأغلى ثَمناً. فإذا نظرنا مثلاً إلى الساحل العُماني نجده تحول إلى خلية نحل لإعادة شحن النفط بين الناقلات، بارتفاع صاروخي وصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً في سبتمبر (أيلول) مقارنة بـ 1.4 مليون في أغسطس (آب).
أما العبور عبر رأس الرجاء الصالح، فليس سوى استنزاف صريح للوقت يُقاس بالأسابيع لا الأيام.
وفي ظل اعتماد 80% من التجارة الدولية على النقل البحري، فإن استمرار اضطرابات الملاحة يعني أن كلفة التصعيد العسكري الباهظة ربما تقود الحرب إلى "معادلة إنهاك متبادل"، يبدأ فيها الاقتصاد بالضغط على زناد التهدئة.. رغماً عن الجميع.