الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ (رويترز)
الجمعة 25 سبتمبر 2026 / 14:12
تستعيد بكين واحدة من أكثر أدواتها الرمزية شهرة في الدبلوماسية الدولية، مع اقتراب عودة الباندا العملاقة إلى الولايات المتحدة، في خطوة تتزامن مع مساعي الصين والولايات المتحدة لإدارة علاقاتهما المعقدة. فخلال مراسم استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في البيت الأبيض، أمس الخميس أعلن شي أن الباندا العملاقة "بينغ بينغ" و"فو شوانغ" ستصلان إلى منزلهما الجديد في حديقة حيوان أتلانتا "خلال أيام"، واصفاً الباندا بأنها "سفير تاريخي للصداقة" بين البلدين.
من نيكسون إلى أتلانتا.. نصف قرن من دبلوماسية الباندا، من الهدايا السياسية إلى اتفاقيات التعاون بملايين الدولارات.
ولا تأتي الخطوة بمعزل عن تاريخ طويل ارتبطت فيه الباندا بالعلاقات بين بكين وواشنطن. إذ وصلت أول باندا إلى الولايات المتحدة 1972 على وقع "دبلوماسية البنغ بونغ"، بعد زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون التاريخية إلى الصين، في وقت كانت فيه الدولتان تعملان على إنهاء عقود من القطيعة وفتح مسار لتطبيع العلاقات.
وكانت تلك الخطوة جزءاً من مرحلة أوسع من التقارب الأمريكي-الصيني. فزيارة نيكسون للصين في فبراير 1972 أسفرت عن "بيان شنغهاي" الذي وضع أساساً مهماً لتحسين العلاقات الثنائية، قبل إقامة علاقات دبلوماسية رسمية 1979. وتصف وزارة الخارجية الأمريكية تلك الزيارة بأنها نقطة تحول في مسار العلاقات الثنائية.
الباندا المتجول
وكان الاتحاد السوفييتي أول دولة في الكتلة الشيوعية تحصل على الباندا. ففي 1957، بذروة التضامن الأخوي الصيني-السوفييتي، أرسل موطن هذه الفصيلة "المعرضة للخطر" الشبل "بينغ بينغ" إلى حديقة حيوان موسكو.
لكن الصين غيرت لاحقاً طريقة التعامل مع الباندا. فبدلاً من تقديمها كهدايا دائمة، تحولت العملية إلى نظام إعارة واتفاقيات تعاون بحثي وحفظ للأنواع، مع بقاء ملكية الحيوانات للصين.
وتوسعت الشبكة، لتشمل اليابان التي حصلت على "كانغ كانغ" و"لان لان" 1972، في إطار تطبيع العلاقات الدبلوماسية الصينية-اليابانية، لتبدأ بذلك علاقة يابانية طويلة الأمد مع الباندا، باتت لاحقاً جزءاً من ثقافة الحيوان في اليابان.
وحصلت فرنسا على "لي لي" و"يان يان" 1973، بينما استقبلت بريطانيا "تشيا تشيا" و"تشينغ تشينغ" 1974، ثم تبعتها ألمانيا الغربية والمكسيك.
وهكذا بدأت الباندا تتحول إلى جسر دبلوماسي عالمي. وبحلول أوائل ثمانينيات القرن الماضي، كان أكثر من 20 دب باندا قد وُزّع على حدائق حيوان أجنبية كهدايا رسمية، وكل منها يحمل أسماء غنية بالتقاليد الثقافية الصينية.
قلق بيئي
لكن خلف مشهد الاحتفالات الدبلوماسية، بدأ علماء الأحياء يشعرون بالقلق. فكل باندا تُهدى إلى الخارج كانت تعني إخراج حيوان بصورة دائمة من البرية، في وقت كان فيه عدد الباندا البرية يتراجع. وأكد المسح الوطني الرابع في وقت لاحق ما كان العديد من الباحثين قد بدأوا يدركونه بالفعل: أن عصر الهدايا لم يكن مستداماً من الناحية البيئية.
لينتقل الأمر إلى مرحلة جديدة تسمى بـ"عصر القروض" المستمرة حتى الآن. ففي 1984 أصدرت وزارة الغابات الصينية توجيهاً أصبحت فيه عمليات نقل الباندا إلى الخارج في إطار قروض بحثية مدتها 10 سنوات، تتضمن شروطاً مالية واضحة والتزامات تتعلق بالتكاثر. لينتهي بذلك عصر الهدايا والدبلوماسية الدائمة.
وكان التحول مدفوعاً بعوامل بيئية واقتصادية. إذ كشفت أزمة إزهار الخيزران 1983 هشاشة أعداد الباندا البرية، ما عزز الاتجاه نحو وقف إخراجها من موائلها لأغراض دبلوماسية. وتعتمد الباندا على الخيزران كغذاء رئيس بـ99%، وأدى إزهاره وموته إلى نفوق 250 باندا بسبب الجوع. وكانت الباندا تُصنف في السابق ضمن الحيوانات المهددة بالانقراض، إلا أن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة عدّل تصنيفها إلى "معرضة للخطر" في 2016.
وفي المقابل، أتاح نظام القروض للصين مصدر إيرادات؛ إذ ارتفعت الرسوم من نحو 100 ألف دولار سنوياً للباندا في البداية إلى 500 ألف مليون دولار بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، إضافة إلى 400 ألف دولار عند ولادة كل شبل. وتُوجّه رسوم القروض، التي تديرها جمعية الحفاظ على الحياة البرية الصينية، إلى حماية موائل الباندا والحفاظ عليها، بما في ذلك حديقة الباندا الوطنية العملاقة.
وبموجب الاتفاقيات، تظل الأشبال المولودة في الخارج ملكية للصين، وتُعاد إليها عند بلوغ الرابعة. ورغم أن العلماء لا يزالون غير متأكدين من متوسط عمر الباندا العملاقة في البرية، لكنهم يؤكدون أنه أقصر من عمرها في حدائق الحيوان. ويُقدّر عمر الباندا البرية بنحو 15 إلى 20 عاماً، مقابل نحو 30 عاماً للباندا التي تعيش تحت رعاية البشر.
وسجّل علماء صينيون حالات لبلوغ باندا في حدائق الحيوان 35 عاماً. أما باندا "شينغ شينغ" في حديقة الحيوان الوطنية التابعة لمؤسسة سميثسونيان، فنفقت 1999 عن عمر 28 عاماً.
قمة "الصداقة العظيمة".. ترامب وشي يتفقان على تجنب التصعيد - موقع 24قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الذكاء الاصطناعي سيكون "موضوع النقاش الرئيسي" في قمته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، اليوم الخميس، في البيت الأبيض، مشيراً إلى أن الزعيمين يرغبان في "إبقاء الأمور على حالها" فيما يخص هذا الملف الحساس.
وتكتسب عودة الباندا إلى أتلانتا أهمية إضافية بسبب طبيعة العلاقات الأمريكية-الصينية، التي تجمع بين المنافسة والتعاون في ملفات التجارة والتكنولوجيا والأمن والذكاء الاصطناعي.
وتصف حديقة حيوان أتلانتا طبيعة الاتفاقية الجديدة بين الصين وأمريكا بأنها "اتفاقية تعاون دولي في أبحاث الحفاظ على الباندا العملاقة"، وليست هدية أو مجرد عملية تأجير. وتركز الاتفاقية، وفقاً للحديقة، على الرعاية والدراسة المتخصصة، أبحاث الحفاظ على الأنواع، استعادة الموائل الطبيعية، إدارة المحميات الطبيعية، ودعم حراس المحميات.
وبهذا تبدأ "بينغ بينغ" و"فو شوانغ" فصلاً جديداً في برنامج الباندا بحديقة حيوان أتلانتا، لتعيد الباندا العملاقة إلى مؤسسة ترتبط بشراكة مع الصين بدأت قبل أكثر من 25 عاماً. ولا يزال يتعين تأكيد موعد الوصول النهائي من خلال الإعلانات الرسمية لحديقة حيوان أتلانتا.
من "البينغ بونغ" إلى دبلوماسية الصويا.. الصين تبدل أدواتها مع واشنطن - موقع 24يستخدم فول الصويا بوصفه مقياساً دقيقاً لمدى حرارة العلاقة بين واشنطن وبكين، وأداة ضغط تلجأ إليها الصين، للتأثير على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قلب قاعدته الانتخابية بولايات الوسط الغربي الزراعية.