بورصة يورونكست في حي لا ديفانس التجاري بباريس (رويترز)
بورصة يورونكست في حي لا ديفانس التجاري بباريس (رويترز)
الأحد 4 أكتوبر 2026 / 21:05

سندات فرنسا تتراجع.. هل تعود عدوى أزمة الديون إلى الأسواق الأوروبية؟

بدأ مستثمرون في أسواق السندات الأوروبية يترقبون مؤشرات على انتقال الاضطرابات بين دول منطقة اليورو، بعدما أعادت موجة بيع حادة في السندات الحكومية إلى الأذهان أجواء أزمة الديون السيادية التي ضربت المنطقة قبل أكثر من عقد.

وتعرضت السندات الفرنسية لضغوط قوية، بالتزامن مع اتساع فروق العوائد في إيطاليا وبلجيكا واليونان ودول أخرى، بينما صمدت السندات الألمانية بصورة أفضل مع توجه المستثمرين إليها باعتبارها الملاذ الأكثر أماناً داخل منطقة اليورو. 

وكانت أسواق السندات الأوروبية قد شهدت خلال معظم العام تحركات مرتبطة بعوامل مشتركة، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة وتجدد الضغوط التضخمية، ما دفع البنك المركزي الأوروبي إلى تشديد السياسة النقدية. لكن موجة البيع الأخيرة أظهرت عودة التمييز بوضوح بين الدول بحسب أوضاعها المالية ومستويات الدين والعجز. 

وتغير المشهد بصورة أكثر وضوحاً الخميس، حين تسارعت خسائر السندات الفرنسية واتسعت فروق العوائد بينها وبين السندات الألمانية القياسية، في وقت بدأت فيه الضغوط تنتقل إلى أسواق أخرى ذات أوضاع مالية أكثر هشاشة. 

وقال جيف مولر، الرئيس المشارك للدخل الثابت في "مورغان ستانلي إنفستمنت مانجمنت"، إن الأسواق بدأت تظهر "أولى علامات انتقال العدوى"، محذراً من أن استمرار التحركات الحادة وغير المنتظمة قد يجذب انتباه صانعي السياسات.

أوروبا تهدر استثمارات بـ137 مليار دولار سنوياً - موقع 24تفقد أوروبا 137 مليار دولار من الاستثمارات سنوياً نتيجة صعوبة نقل نجاحاتها من دولة إلى أخرى داخل سوق يفترض أنها موحدة. وتكشف دراسة لمركز الأبحاث الإيطالي "ذا يوروبين هاوس–أمبروسيتي"، أُعدت بالتعاون مع "أمازون"، أن اختلاف الأنظمة الوطنية في الطاقة والنقل والتكنولوجيا والضرائب ...

وتأتي هذه التطورات فيما تواجه فرنسا مستويات مرتفعة من الدين والعجز، مع خطط لإصدار نحو 340 مليار يورو من السندات في 2027، وهو مستوى قياسي يزيد حساسية السوق لأي تدهور إضافي في الثقة. كما تظل إيطاليا وبلجيكا ودول أخرى مرتفعة الدين أكثر عرضة لارتفاع تكاليف التمويل. 

ورغم أن فروق العوائد لا تزال أدنى بكثير من المستويات التي شوهدت خلال أزمة الديون الأوروبية، فإن سرعة اتساعها خلال الأيام الأخيرة أثارت قلق المستثمرين، خصوصاً مع بقاء التضخم مرتفعاً واحتمال استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول. 

البنك المركزي الأوروبي تحت المراقبة
وتتركز الأنظار على ما إذا كان البنك المركزي الأوروبي سيعدل لهجته في حال اتسعت الاضطرابات. وفي الوقت الراهن، لا توجد إشارات رسمية إلى تدخل مباشر، كما ترى "رويترز" أن البنك غير مرجح أن يتدخل لمصلحة فرنسا وحدها ما دامت التحركات تعكس أساسيات مالية وسياسية ولا تتسم بالفوضوية. 

لكن لدى البنك أدوات يمكن استخدامها إذا تحولت الضغوط إلى تهديد لانتقال السياسة النقدية عبر منطقة اليورو.

ومن بين هذه الأدوات أداة حماية انتقال السياسة النقدية "TPI"، التي أطلقها البنك المركزي الأوروبي في 2022 لمواجهة تحركات سوقية غير مبررة وفوضوية تهدد انتقال السياسة النقدية بين دول المنطقة. ولم تُستخدم الأداة حتى الآن.

كما يمكن للبنك، من حيث المبدأ، تعديل وتيرة تقليص ميزانيته أو إعادة الاستثمار في بعض المحافظ إذا رأى أن الضغوط تهدد الاستقرار المالي، لكن هذا يظل خياراً نظرياً وليس قراراً معلناً حالياً. وكان البنك قد أوقف إعادة الاستثمار في برنامج شراء الأصول "APP" منذ يوليو 2023، ما أدى إلى انخفاض تدريجي في حجم المحفظة مع استحقاق السندات. 

رهانات الفائدة تتراجع
وبدأ المتعاملون بالفعل في تقليص رهاناتهم على مزيد من تشديد السياسة النقدية، بعدما زادت المخاوف من أن يؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى ضغوط إضافية على الحكومات والاقتصادات الأوروبية.

لكن في المقابل، لا يزال التضخم في منطقة اليورو يمثل تحدياً، إذ ارتفع إلى 3.8% في سبتمبر من 3.2% في أغسطس، وهو ما يبقي البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة صعبة بين احتواء الأسعار وتجنب تفاقم اضطرابات سوق السندات. 

صناديق التحوط تزيد حساسية السوق
ويرى بعض المستثمرين أن تزايد مراكز صناديق التحوط والصفقات الممولة بالاقتراض أسهم في تضخيم التحركات الأخيرة، خصوصاً في استراتيجيات "الكاري تريد" التي تقوم على شراء سندات ذات عوائد مرتفعة وتمويلها بأدوات أقل كلفة.

وعندما ترتفع التقلبات سريعاً، قد تضطر هذه الصناديق إلى تصفية المراكز في وقت واحد، ما يضيف ضغوطاً جديدة على الأسعار ويوسع فروق العوائد.

وبذلك، لا تشير التحركات الحالية إلى أن منطقة اليورو دخلت أزمة ديون جديدة، لكنها تعيد إلى الواجهة خطر التجزؤ المالي وانتقال الضغوط بين الدول، خصوصاً إذا استمرت مشاكل فرنسا المالية والسياسية بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم.