صورة تعبيرية (رويترز)
الإثنين 5 أكتوبر 2026 / 22:33
يُحذّر خبراء الاقتصاد من تداعيات منح وكلاء الذكاء الاصطناعي صلاحية الوصول إلى الحسابات البنكية، نظراً لقدرتها على المقارنة تلقائياً بين أسعار الفائدة، ثم نقل المدخرات من الحسابات منخفضة العائد إلى المؤسسات التي تقدم عوائد أعلى، قبل إعادة الأموال عند الحاجة إلى سداد الفواتير أو تغطية المصروفات.
إذا أُسندت مهمة إدارة الأموال إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، فإنها ستسعى تلقائياً لتعظيم الفائدة عبر نقل الأموال الخاملة فوراً إلى المنصات الأكثر ربحية، ثم إعادتها للحسابات التقليدية وقت سداد الفواتير فقط.
ويعني ذلك أن المساعد الذكي يتحول من أداة للإجابة عن الأسئلة إلى مدير للأموال، يراقب الأرصدة ويبحث باستمرار عن أفضل عائد متاح وينفذ التحويلات نيابة عن المستخدم.
ووفق تقارير مصرفية، فإنه إذا اتخذ ملايين العملاء القرارات نفسها في الوقت ذاته، فستتعرض البنوك لضغوط على أحد أهم مصادر تمويلها.
ما سبب التحذيرات الآن؟
شركات التكنولوجيا بدأت بالفعل تطوير الجيل الأول من هذه المساعدات، حيث أطلقت "ميتا" مساعدها الرقمي "ميوز" في سبتمبر (أيلول) الماضي، ليؤدي مهاماً مثل إدارة المواعيد والحسابات والمشتريات والتسوق الإلكتروني، واستقطب ملايين المستخدمين في أسبوعه الأول، فيما طرحت "أوبن إيه آي" مساعد "دوتس" لتقديم تجربة أتمتة شاملة.
ويرى مهندسو هذه البرمجيات أن الهدف النهائي هو جعل الوكلاء وسطاء بين المستخدم والخدمات الرقمية، بما يشمل فتح الحسابات ونقل الأموال ومراقبة تدفقات السيولة.
كيف ستتضرر البنوك؟
تبدأ المشكلة بالنسبة للبنوك من فارق العائد، لأنها تحصل على أموال المودعين بتكلفة منخفضة وتستخدمها في تمويل القروض والائتمان، بينما يدفع الوكيل الذكي بهذه الأموال إلى الجهة التي تمنح صاحبها فائدة أكبر.
لذلك حذر تورستن سلوك، الشريك والمستشار الاقتصادي الرئيسي في مجموعة "أبوللو غلوبال مانيجمنت"، في تقرير موجّه للمستثمرين، من أن هذه البرامج قد تُفرغ البنوك من ودائعها الرخيصة، فبينما يبلغ متوسط العائد على حسابات الجاري والتوفير في الولايات المتحدة 0.1% إلى 0.4%، تقدم شركات التكنولوجيا المالية مثل Revolut وSoFi وWealthfront عوائد تتراوح بين 3.3% و5%.
ويصبح الفارق أكثر وضوحاً مع ارتفاع قيمة المدخرات، حيث تحقق وديعة قدرها 10 آلاف دولار عائداً سنوياً قدره 500 دولار عند فائدة 5%، مقابل 10 دولارات فقط عند عائد 0.1%.

وبالتالي إذا أُسندت مهمة إدارة الأموال إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، فإنها ستسعى تلقائياً لتعظيم الفائدة عبر نقل الأموال الخاملة فوراً إلى المنصات الأكثر ربحية، ثم إعادتها للحسابات التقليدية وقت سداد الفواتير فقط.
الأمر الذي يرفع تكلفة الودائع على البنوك التقليدية، ويجعلها قد تضطر إلى زيادة الفائدة التي تدفعها للمودعين للاحتفاظ بأموالهم. كما ينعكس ارتفاع تكلفة التمويل على المقترضين أيضاً إذا لجأت البنوك إلى رفع تكلفة القروض والائتمان للحفاظ على هوامش أرباحها.
ولعل النموذج البريطاني يختصر حجم الشهية المفتوحة أمام هذه التقنيات، إذ تقبع 338 مليار جنيه إسترليني في حسابات توفير شبه خاملة بعائد لا يتعدى 1.5%، وفق تقديرات شركة "كاكي".
والأهم من ذلك أن الكتلة الصلبة من هذه الثروات (نحو 284 مليار جنيه) توجد داخل حسابات يتجاوز رصيد كل منها 10 آلاف جنيه إسترليني، ما يجعلها الهدف الأول لأتمتة العوائد.

هل نحن أمام أزمة مصرفية فعلية؟
ليس بعد، فالمساعدون الحاليون لا يملكون حتى الآن القدرة على نقل الأموال تلقائياً بين الحسابات المصرفية المختلفة، كما أن تطبيق هذا السيناريو على نطاق واسع يتطلب موافقة العملاء على منح الوكلاء صلاحيات مالية واسعة، وقبول البنوك بالتعامل معها، وقد يستلزم موافقة بشرية على التحويلات الكبيرة.
وبحسب الخبراء توجد عقبات أخرى قد تؤخر انتشار هذا النموذج، منها تردد المستهلكين في مشاركة كلمات السر ومنح الأنظمة الذكية تفويضاً مالياً كاملاً، إلى جانب رفض بعض المنصات التجارية الشاملة، مثل "أمازون"، الدخول في هذا الاتجاه لحماية عوائدها الإعلانية.
كما لا يزال المودعون يفضلون المؤسسات المالية الكبرى ذات السمعة الراسخة عندما يتعلق الأمر بأمان مدخراتهم.

مراقبة حذرة للتداعيات
مع ذلك تراقب الجهات المعنية بالاستقرار المالي التأثير المحتمل لهذه الأدوات، فقد أجرت هيئة أمن الذكاء الاصطناعي البريطانية، بالتعاون مع بنك إنجلترا، دراسة حول تداعيات وكلاء الذكاء الاصطناعي على القطاع المصرفي.
وقال أندرو سترايت، الذي قاد الدراسة، إن التداعيات المحتملة ستكون شديدة، داعياً شركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات المالية إلى وضع ضوابط مشتركة تحد من التحركات المفاجئة للأموال.
كما أشار إلى أن ما يجعل هذا السيناريو بالغ الحساسية هو أن المساعد الذكي لا يتصرف كعميل تقليدي يفحص العوائد بين الحين والآخر، بل يمارس مراقبة لحظية ومستمرة للمشهد المالي.
ومع صدور قرار جماعي مؤتمت بنقل الودائع نحو المؤسسات الأعلى فائدة، تتحول المصلحة الفردية لكل مودع إلى ضغطٍ هيكلي حاد يهدد استقرار القاعدة التمويلية للقطاع المصرفي بأكمله.