ترامب وبوتين (أ ف ب)
ترامب وبوتين (أ ف ب)
السبت 10 أكتوبر 2026 / 17:37

السياسة في خدمة الأسواق.. كواليس صفقة الديزل المفاجئة بين البيت الأبيض والكرملين

شهدت الأسواق المالية الروسية ومؤشراتها الاقتصادية موجة نمو واسعة وتفاؤلاً ملحوظاً إثر الإعلان عن اتفاق مفاجئ يقضي بتدفق وقود الديزل الروسي مجدداً إلى الأسواق العالمية والأمريكية، وهي الخطوة التي رافقتها قرارات تنظيمية فورية من واشنطن لرفع قيود الحظر، ولم يقتصر تأثير التطور التاريخي على قطاع الطاقة، بل امتد ليعيد صياغة المشهد الجيوسياسي والاقتصادي لعام 2026، كاسراً سنوات من الجمود والعقوبات الخانقة التي فرضت على قطاع الطاقة الروسي. 

جاء الإعلان الأمريكي الروسي المشترك بعد محادثات هاتفية وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها ناجحة للغاية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ولم تكد تمر دقائق على الإعلان حتى أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً عاماً مؤقتاً يسمح ببيع، وتسليم، وتفريغ، واستيراد وقود الديزل ذي المنشأ الروسي إلى الأسواق العالمية والأمريكية. ويمتد هذا الترخيص حتى السابع من أبريل (نيسان) 2027.

مصالح مشتركة 

يعزى هذا التحول الاستراتيجي في المقام الأول إلى حسابات المصالح الداخلية المباشرة لكلا الطرفين، إذ تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً سياسية محتدمة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، نتيجة للقفزات القياسية التي سجلتها أسعار التجزئة لوقود الديزل في المحطات الأمريكية، والتي تجاوزت عتبة 5 دولارات إلى 6.50 دولار للغالون الواحد. 

ويهدد الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة كفاءة سلاسل الإمداد وحركة النقل البري والقطاع الزراعي بشكل مباشر، مما أجبر واشنطن على إعطاء الأولوية للاستقرار الاقتصادي الداخلي وتهدئة الأسواق على حساب التمسك بالصرامة المطلقة لسياسة العقوبات.

وفي المقابل، تمثل الصفقة انتصاراً سياسياً واقتصادياً كبيراً للكرملين الذي سعى لسنوات لكسر العزلة المفروضة على قطاعه النفطي.

ورغم الأزمات الداخلية التي عانت منها المصافي الروسية وتراجع معدلات التكرير بفعل الضربات الجوية الأوكرانية، فإن موسكو تمتلك فائضاً من الديزل تصعب الاستفادة منه دون منفذ تصديري دولي واسع يُدر عوائد دولارية سريعة تدعم الموازنة العامة.

ووفقاً للبيانات الرسمية وتصريحات نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، فإن الجدولة الزمنية لتدفق الديزل الروسي وضعت أحجاماً ضخمة تبدأ بإطلاق ما يزيد عن 300 ألف طن من وقود الديزل فوراً نحو الأسواق الأمريكية والعالمية، تليها التزامات بضخ 500 ألف طن إضافية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، ثم الانتقال إلى المرحلة اللاحقة مباشرة بتوريد مليون طن لتعزيز المخزونات العالمية المتهالكة.

وعلى المدى القصير المشروط بالسعي لتوريد 3 ملايين طن إضافية، يتجاوز إجمالي الصفقة المبدئية حاجز 4.8 مليون طن، شريطة استقرار واستكمال عمليات الصيانة والتأهيل في مصافي التكرير الروسية.

وجاء هذا الإجراء لينهي قرار موسكو السابق الصادر في 30 سبتمبر (أيلول)، والذي كان يقضي بتمديد حظر الصادرات من الديزل حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2026، ليعجل نوفاك بالقول إن بلاده مستعدة للبدء الفوري دون انتظار الآجال السابقة.

انعكاسات فورية 

استقبلت الأسواق المالية الروسية هذه الأنباء بارتفاعات جماعية ملحوظة، إذ تحررت شركات الطاقة الكبرى المدرجة في بورصة موسكو (مثل روسنفت، ولوك أويل، وغازبروم نفط) من قيود الحظر المفروضة على التصدير الغربي. 

وسجل مؤشر بورصة موسكو (ميوكس) مكاسب قوية مدفوعاً بأسهم قطاع النفط والغاز، حيث يرى المستثمرون أن هذه الانفراجة ستؤمن تدفقات نقدية بالعملة الأجنبية تفوق ما كان يتم تحصيله عبر قنوات الظل التصديرية بخصومات سعرية كبيرة. 

وتشير تحليلات مركز أبحاث الطاقة والهواء النقي (CREA) إلى أن عائدات التصدير الروسية من الوقود الأحفوري كانت تدور حول 604 ملايين يورو يومياً في الفترات الأخيرة، ومع فتح الأسواق الأمريكية والغربية رسمياً أمام الديزل، يتوقع الخبراء قفزة في هذه العوائد بنسب تتراوح بين 10% إلى 15% خلال الربع الأخير من العام الجاري.

تقييمات مراكز الأبحاث 

تباينت تقييمات مراكز الأبحاث والمؤسسات الاستثمارية العالمية بين الترحيب بانخفاض التضخم العالمي والتشكيك في القدرة التنفيذية، حيث ترى وكالات رصد أسواق الطاقة أن العودة السريعة لثاني أكبر مصدر للديزل عالمياً (بعد الولايات المتحدة) سيعمل كصمام أمان.

وكان النقص الحاد قد دفع أسعار العقود الآجلة للديزل (ICE Gasoil)  للارتفاع بنسبة تقارب 140% منذ مطلع العام وحتى أكتوبر 2026. 

وترى مؤسسات مصرفية في وول ستريت أن عودة الضخ للديزل الروسي  كفيل بتهدئة هامش التكرير الذي قفز بقرابة 17% مؤخراً، وبالتالي خفض تكاليف الشحن والإنتاج الزراعي عالمياً.

وفي المقابل، أبدى إدوارد فيشمان، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، تشككه في قدرة روسيا على الوفاء بالأرقام المعلنة، موضحاً أن الأسباب الهيكلية التي دفعت روسيا لفرض حظر التصدير في المقام الأول كانت ناتجة عن تضرر طاقتها التكريرية محلياً بسبب الهجمات المستمرة.

واعتبر أن  الوعود الروسية قد تكون أداة سياسية من بوتين لخلخلة التحالف عبر الأطلسي والضغط على الحلفاء الأوروبيين الذين لا يزالون يلتزمون اسمياً ببعض القيود. 

ومن جهتها، أشارت وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقاريرها الأخيرة إلى أن المعروض العالمي من المشتقات الوسيطة (الديزل ووقود الطائرات) كان يمر بمرحلة حرجة جداً، لا سيما مع انخفاض الصادرات المشتركة لروسيا ودول الخليج بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً مقارنة بمستويات بداية الأزمة.

وترى الوكالة أن فتح القنوات التصديرية الروسية سيخفف الضغط جزئياً عن الحوض الأطلسي، لكن استدامة هذا النمو السوقي تعتمد كلياً على عدم تجدد استهداف البنية التحتية النفطية.

وكانت الانفراجة المفاجئة أحدثت  هزات ارتدادية في العواصم الأوروبية وفي كييف، حيث واجه الاتفاق معارضة واستياءً حادين من الجانب الأوكراني، إذ ترى كييف أن السماح بتدفق أموال الديزل إلى الخزانة الروسية يقوض جهود الضغط الاقتصادي الدولية.

وكان ترامب قد طالب في وقت سابق بوقف استهداف مصافي النفط الروسية لتجنب اشتعال نسب التضخم العالمي. وتزامنت هذه الخطوة مع موافقة دول مجموعة السبع (G7) على خطة تسييل وإفراج عن 100 مليون برميل من مخزونات الديزل على مدار أربعة أشهر، مما يعكس حالة الطوارئ غير المعلنة المقترنة ببدء موسم الشتاء وتأمين وقود التدفئة والصناعة.

وستشهد الخريطة اللوجستية تعديلاً سريعاً، فبعد أن تحولت تركيا والصين والبرازيل إلى الوجهات الأساسية للمشتقات الروسية، حيث استحوذت تركيا وحدها على 26% والصين على 12% في أغسطس (آب) 2026، ستعود الموانئ الروسية لتوجيه الشحنات مباشرة نحو أمريكا وأوروبا بموجب الإعفاء الجديد.

طوق نجاة لروسيا 

يمثل السماح بضخ الديزل الروسي نموذجاً لانتصار البراغماتية الاقتصادية على الحسابات العسكرية، فالخوف من ركود تضخمي عالمي وارتفاع أسعار الوقود فوق مستويات قياسية غير قابلة للاستيعاب، دفع واشنطن لتقديم طوق نجاة مالي غير متوقع للأسواق الروسية. 

ورغم أن الأسواق والمؤشرات الروسية تجني اليوم ثمار هذا الانتعاش والنمو السريع، يبقى التحدي الحقيقي متمثلاً في الموازنة بين القدرة الإنتاجية الفعلية للمصافي الروسية المتضررة، وبين الجداول الزمنية الطموحة التي قطعتها موسكو للإدارة الأمريكية والأسواق العالمية.