أحد المختبرات الطبية في الصين (إكس)
الجمعة 23 أكتوبر 2026 / 16:35
من السيارات الكهربائية والبطاريات إلى الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، تواصل الصين توسيع حضورها في القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد العالمي، لتضيف صناعة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية إلى قائمة المجالات التي باتت تنافس فيها القوى الغربية.
ورغم تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية بين بكين والغرب، تتجه شركات الأدوية الأمريكية والأوروبية، بصورة متزايدة إلى الصين لإجراء التجارب السريرية وتطوير علاجات مبتكرة، مستفيدة من انخفاض التكاليف وسرعة الأبحاث وتطور البنية التحتية الطبية.
ويكشف تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، أن شركات أدوية غربية، بينها "أسترازينيكا" و"سانا بيوتكنولوجي" و"تمبست ثيرابيوتكس"، تتعاون مع مستشفيات صينية لإجراء اختبارات مبكرة على البشر لعلاجات تجريبية، خصوصاً العلاجات الخلوية والجينية المستخدمة في مكافحة السرطان وأمراض أخرى.
سرعة وتكلفة أقل
تستند جاذبية الصين إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والعلمية، أبرزها قاعدة المرضى الواسعة، وتطور المستشفيات البحثية، وتوافر الكفاءات الطبية، إلى جانب إجراءات تتيح بدء بعض الدراسات السريرية المبكرة بوتيرة أسرع من نظيراتها الغربية.
وبحسب "فايننشال تايمز"، تستفيد الشركات من نظام التجارب التي يبدأها الباحثون داخل المؤسسات الطبية، والمعروف باسم "IIT"، والذي يتيح إجراء دراسات أولية ضمن أطر تنظيمية تختلف عن مسارات الموافقة التقليدية على التجارب الدوائية.
وتكشف الأرقام حجم الميزة التنافسية الصينية، إذ أفاد تقرير صادر عن مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار الأمريكية (ITIF)، في يونيو (حزيران) 2026، بأن متوسط مدة المرحلة الأولى من التجارب السريرية في الصين خلال 2025 كان أقصر بأكثر من 50% مقارنة بالولايات المتحدة، فيما انخفض متوسط تكلفتها بنسبة 43%.
وأشار التقرير إلى أن الصين استحوذت على 30% من التجارب السريرية العالمية للأدوية المبتكرة في 2025، مقابل 33% للولايات المتحدة، بعدما كانت حصة الصين لا تتجاوز 5% في 2016.

حقوق المرضى والقيود الأوروبية
تشكل الاختلافات التنظيمية بين الصين وأوروبا عاملاً إضافياً في توجه شركات الأدوية، إذ تفرض التشريعات الأوروبية متطلبات صارمة لحماية حقوق المشاركين في التجارب السريرية، تشمل الحصول على موافقتهم المستنيرة، وحماية بياناتهم الصحية، وإخضاع الدراسات لمراجعات أخلاقية ورقابية قبل تنفيذها.
في المقابل، تتيح الصين مسارات أكثر مرونة لبعض التجارب المبكرة التي تجريها المستشفيات والمؤسسات البحثية، ما يساعد على تسريع اختبار العلاجات الجديدة وخفض تكاليف تطويرها.

مليارات الدولارات تتجه إلى الصين
لا يقتصر التوسع الصيني على استقطاب التجارب السريرية، بل يمتد إلى صفقات بمليارات الدولارات بين الشركات الصينية ونظيراتها الغربية، في مؤشر إلى ارتفاع القيمة التجارية للابتكارات الدوائية التي تطورها بكين.
وبحسب تحليل نشرته مجلة "نيتشر" المتخصصة في الأبحاث العلمية، استحوذت الشركات الصينية على 5 من أكبر 10 صفقات لترخيص البحث والتطوير الدوائي خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
وتشير مؤسسة "آي كيو في آي" (IQVIA) المتخصصة في بيانات قطاع الرعاية الصحية إلى أن الأصول الدوائية المطورة في الصين شكلت 40% من الأصول التي حصلت شركات الأدوية الكبرى على تراخيصها من الخارج خلال 2025.
وبلغت القيمة الإجمالية المحتملة لاتفاقيات ترخيص العلاجات ذات المنشأ الصيني خلال النصف الأول من 2026 نحو 92 مليار دولار، ما يعادل 88% من إجمالي قيمتها في عام 2025 بأكمله.

من مصنع العالم إلى منافس في الابتكار
تأتي الطفرة الدوائية ضمن تحول أوسع في الاقتصاد الصيني، الذي يسعى إلى الانتقال من الاعتماد على التصنيع منخفض التكلفة إلى تعزيز الصناعات المتقدمة والابتكار ذي القيمة المضافة المرتفعة.
ووفق مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار الأمريكية، شاركت الصين في تطوير نحو 7141 دواء ضمن خطوط التطوير العالمية في 2026، بما يمثل 31.1% من إجمالي الأدوية قيد التطوير، مقارنة بأكثر من 11.6 ألف دواء شاركت الولايات المتحدة في تطويرها.
كما ارتفعت حصة الصين من شركات البحث والتطوير الدوائي العالمية من نحو 5% في 2017 إلى قرابة 20% في 2026، في مؤشر إلى اتساع قاعدة الابتكار المحلي وتزايد عدد الشركات القادرة على المنافسة دولياً.
غير أن الصعود الصيني لا يعني تجاوز الولايات المتحدة، إذ لا تزال الشركات الأمريكية تتصدر الإنفاق الخاص على البحث والتطوير الدوائي، باستثمارات بلغت 153 مليار دولار في 2024، مقابل نحو 12 مليار دولار للشركات الصينية، وفق المؤسسة نفسها.

هل يصبح الغرب أكثر اعتماداً على الصين؟
يثير التوسع الصيني تساؤلات بشأن مستقبل سلاسل الإمداد الدوائية العالمية، وما إذا كانت الشركات الغربية تتجه تدريجياً إلى الاعتماد على الصين ليس فقط في تصنيع الأدوية، بل أيضاً في اكتشاف العلاجات الجديدة وتطويرها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "لا ريبوبليكا" الأوروبية، أصبحت الشركات الصينية طرفاً في نحو 40% من اتفاقيات الترخيص الدوائي العالمية، بقيمة إجمالية محتملة تبلغ 115 مليار دولار، وفق بيانات شركة "غلوبال داتا".
كما ارتفعت نسبة الأدوية المبتكرة التي يُصنّع جزء منها في الصين من 1.8% في 2022 إلى 6.7% في 2025، في مؤشر إلى توسع دور بكين حتى في المنتجات الدوائية المتقدمة التي كانت تهيمن عليها الشركات الأوروبية والأمريكية.