ناخبون يدلون بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في ولاية أوهايو (رويترز)
الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 / 16:32
تشهد أسواق المال العالمية حالة من الترقب بالتزامن مع انطلاق انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، اليوم الثلاثاء، حيث يتوجه الناخبون لتجديد جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إلى جانب 35 مقعداً في مجلس الشيوخ.
ولا تقتصر أهمية الدورة الانتخابية الحالية على تحديد موازين القوى السياسية داخل واشنطن خلال العامين المتبقيين من ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية فحسب، بل تمتد تداعياتها لتُعيد رسم السياسات الضريبية، والتعريفات الجمركية، والإنفاق العام، مما ينعكس مباشرة على حركة التدفقات النقدية الدولية ومسار التضخم العالمي.
انعكاسها على الاقتصاد
ووفقاً للتقارير الصادرة عن موقع إنفيستوبيديا ، يركز الديمقراطيون جهودهم الاستراتيجية على استعادة السيطرة لتقييد القرارات التنفيذية الكبرى.
وتشير الخطط المعلنة للحزب الديمقراطي إلى السعي لطرح تشريعات خلال أول 100 ساعة من استلام السلطة تهدف إلى إلغاء التخفيضات المفروضة على برنامجي الرعاية الصحية، وإيقاف أو مراجعة الرسوم الجمركية المشددة التي فرضتها إدارة ترامب، واشتراط تفويض دستوري مباشر من الكونغرس للاستمرار في تمويل العمليات العسكرية الخارجية أو إنهاء النزاعات المسلحة،
من جانبه، يرى الحزب الجمهوري أن الحفاظ على الأغلبية في الكونغرس يُعد الضمانة الأساسية لاستكمال حزمة الإعفاءات الضريبية للشركات وتوسيع نطاق استقلالية الطاقة المحلية.
ما الذي يجب معرفته عن أكثر الانتخابات تكلفة في التاريخ الأمريكي؟ - موقع 24بدأ التصويت المبكر منذ أسابيع قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة اليوم الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، والتي سينتخب خلالها الأمريكيون أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ وحكام ولايات في أنحاء البلاد، بعد منافسة محتدمة رفعت سقف التكلفة إلى مستوى قياسي.
معضلة التضخم
تُعد كلفة المعيشة المحرك الأساسي لتوجهات الناخبين في هذه الجولة، وبحسب أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، سجلت أسعار المستهلكين (التضخم) معدلاً بلغ 3.7% على أساس سنوي حتى سبتمبر (أيلول) 2026.
ويُمثل الرقم المرتفع للتضخم تحدياً للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي يستهدف خفضه إلى مستويات 2%.
وتتفاوت رؤى المؤسسات المالية الدولية حول آفاق التضخم بناءً على السيناريوهات المتوقعة لنتائج الصناديق، حيث يرى بنك ويلز فارغو ،أن السيطرة الديمقراطية ستؤدي إلى تراجع الضغوط التضخمية، نتيجة تقييد الصلاحيات الرئاسية في فرض رسوم جمركية جديدة، بينما تحذر مؤسسة أبولو غلوبال مانجمنت من أن استمرار الهيمنة الجمهورية يبقي مخاطر التضخم مرتفعة، بسبب سياسات الحمائية التجارية وتشدد قيود الهجرة التي تقلص معروض العمالة.
على الجانب الأخر ، يتوقع خبراء بانثيون ماكروإيكونوميكس، أن يؤدي الجمود السياسي الكامل إلى شلل تشريعي يمنع إقرار أي قوانين إنفاق ضخمة، مما يهدد بتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وول ستريت والكونغرس
تكشف البيانات التاريخية لمؤشرات الأسهم الأمريكية عن نمط إيجابي لافت يتبع انتخابات التجديد النصفي، فمنذ 1946، ارتفع مؤشر "إس أند بي 500" ومؤشر "داو جونز" الصناعي في 17 من أصل 20 عاماً تلت هذه الانتخابات.
وأشارت أبحاث صادرة عن مؤسسة مورغان ستانلي إلى أن توازن القوى الداخلي في الكابيتول هيل يمثل للمستثمرين عاملاً أكثر أهمية من هوية الحزب الفائز بمفرده، وأن فترات الجمود السياسي الناتجة عن انقسام السيطرة بين الحزبين غالباً ما توفر بيئة مستقرة للأسهم، حيث بلغ متوسط العائد التاريخي لمؤشر "S&P 500" في العام التالي لانتخابات التجديد النصفي تحت حكم رئيس جمهوري نحو 23% عندما يكون الكونغرس منقسماً.
ويُعزى هذا السلوك السعري إلى أن غياب التقلبات التشريعية الحادة يقلل من المخاطر التنظيمية المفاجئة التي تواجه الشركات الكبرى.
وفي سياق متصل، أكدت تحليلات مشتركة صادرة عن خبراء في "بنك جي بي مورغان" و"مورغان ستانلي" أن التجديد النصفي يُمثل عادةً حدثاً تصفوياً للأسواق؛ حيث تتخلص الأسعار من علاوة المخاطر المرتبطة بغير اليقين السياسي، مما يمهد الطريق لارتفاعات قوية قد تصل إلى خانة العشرات خلال الشهور الستة التالية لإعلان النتائج.
ترامب: انتخابات الثلاثاء "الأهم في حياتنا" - موقع 24اعتبر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن "انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة"، غداً الثلاثاء، هي "الأهم في حياتنا"، وذلك عشية استحقاق قد يعيد تشكيل موازين القوى في الكونغرس الأمريكي للعامين المتبقيين من ولاية الرئيس الجمهوري.
توقعات النمو العالمي
على نطاق الاقتصاد الكلي، تبدو تقديرات مجموعة "غولدمان ساكس" أكثر تفاؤلاً من متوسط توقعات السوق العالمية، إذ يتوقع اقتصاديون في البنك نمواً اقتصادياً عالمياً قوياً بنسبة 2.8% لعام 2026، مقارنة بتقديرات الإجماع البالغة 2.5%.
كما يرجح البنك تفوق الاقتصاد الأمريكي بنمو يصل إلى 2.6% مدعوماً بتخفيف شروط التمويل وخفض الضرائب.
ومع ذلك، يبرز قطاع التكنولوجيا كأحد أكثر القطاعات حساسية لهذه الجولة الانتخابية، فقد قادت الاستثمارات الرأسمالية في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي نمت بمعدل سنوي بلغ 12.7% في الربع الأخير، الجزء الأكبر من مكاسب الأسهم طوال العام.
ويحذر تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في "أبولو غلوبال منجمينت"، من أن أي مراجعة تشريعية أو تراجع في الثقة قد يؤدي إلى إعادة تقييم حادة لأسهم التكنولوجيا، وهو السيناريو الذي إذا تزامن مع الرسوم الجمركية وضغوط أسعار النفط الناجمة عن استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط (مثل الحرب الأمريكية الإيرانية المستمرة منذ 8 أشهر)، قد يضع الأسواق أمام خطر الركود التضخمي.
استقلالية الاحتياطي الفيدرالي
تمتد التداعيات السياسية للانتخابات لتطال هيكل الإدارة النقدية في الولايات المتحدة، فرغم أن ولاية رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي كيفن وارش مستمرة حتى مايو (أيار) 2030، إلا أن المعركة التشريعية القادمة تتركز على ملء المقاعد الشاغرة وانتهاء الآجال القانونية للحكام الآخرين، ومن أبرزها انتهاء العضوية الرسمية لرئيس الفيدرالي السابق والعضو الحالي جيروم باول في يناير (كانون الثاني) 2028.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون في "دويتشه بنك" أنه إذا نجح الديمقراطيون في فرض سيطرتهم على مجلس الشيوخ، فسيكون بمقدورهم استخدام سلطة المصادقة لعرقلة أو رفض تعيين أي مرشحين مستقبليين لا يلتزمون بالمعايير التقليدية للاستقلالية النقدية.
كما أن محاولات الإدارة الحالية لإجراء تغييرات جذرية في مجلس المحافظين، مثل المساعي المتعلقة ببعض الأعضاء الحاليين مثل ليزا كوك، ستصطدم مباشرة بالأغلبية البرلمانية الجديدة.
وحتى الآن، تشير توقعات التضخم المشتقة من أدوات السوق إلى أن المستثمرين يثقون في احتفاظ البنك المركزي بقيادة وارش باستقلاليته وقدرته على إدارة أسعار الفائدة بعيداً عن الضغوط السياسية المباشرة.
الدولار يتماسك وسط توترات الشرق الأوسط ومخاطر الانتخابات الأمريكية - موقع 24تماسك الدولار، الثلاثاء، مع تصاعد حذر المستثمرين إزاء التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في حين تراجع الدولار الأسترالي عقب قرار البنك المركزي رفع أسعار الفائدة.
حدة الصراع الاقتصادي
لا تقتصر الآثار الاقتصادية للانتخابات على القوانين المستقبلية، بل تظهر مباشرة في حجم الإنفاق الجاري للحملات الانتخابية، فقد كشفت البيانات الصادرة عن مشروع ويسليان للإعلام أن حجم الإنفاق الإعلاني الإجمالي لهذه الدورة الانتخابية لعام 2026 بلغ رقماً قياسياً غير مسبوق عند 11.6 مليار دولار.
وتوزعت هذه التدفقات المالية الضخمة بواقع 5.6 مليار دولار استحوذت عليها قنوات التلفزيون التقليدي، مما دعم أرباح شركات الإعلام الكبرى، ونحو 2.7 مليار دولار وُجهت لصالح منصات التلفزيون المتصل بالإنترنت والخدمات الرقمية.
ويعكس التدفق المالي الكثيف تركز الصراع في دوائر محددة وحاسمة، حيث تصدرت قضايا الضرائب وتكلفة المعيشة العناوين الرئيسية للمواد الدعائية.
صياغة المعالم الاستثمارية
تُثبت المعطيات الحالية أن صناديق الاقتراع الأمريكية في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 لا تختار مشرعين فحسب، بل تصيغ معالم البيئة الاستثمارية الدولية للمرحلة المقبلة.
وسواء أسفرت النتائج عن بقاء الهيمنة الجمهورية الكاملة لتعزيز سياسات الحمائية والإنتاج المحلي، أو اتجهت نحو حكومة منقسمة تفرض الجمود التشريعي المحبب تاريخياً لأسواق الأسهم، فإن التكلفة النهائية للمعيشة، ومستقبل سلاسل الإمداد، واستقلالية القرار النقدي، ستبقى المحددات الحقيقية لخريطة الاقتصاد العالمي في 2027 وما بعده.