قالت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، إن لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره السوري أحمد الشرع يمثل تحولاً جذرياً في الديناميكيات الإقليمية، ويضع إسرائيل أمام واقع استراتيجي جديد يثير مخاوفها بشأن مستقبل هضبة الجولان، ويجعلها في موقف يتأرجح بين الاطمئنان والقلق.

وأضافت "جيروزاليم بوست"، في تحليل سياسي، أن الصورة التي جمعت ترامب والشرع في البيت الأبيض كانت مشهداً لا يمكن للكثيرين تخيله قبل عام واحد، حيث صافح الرئيس الأمريكي رجلاً كان مطلوباً بتهم الإرهاب، ورُصدت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.
وأشارت الصحيفة إلى أن اللقاء بالنسبة لواشنطن يمثل تراجعاً مذهلاً عن عقود من العداء، أما بالنسبة لدمشق، فهو بمثابة "بعث دبلوماسي"، لكن بالنسبة لتل أبيب، كان لافتاً لأنه لم يتضمن الكثير عنها، على الأقل في العلن.

من "مُسلح" إلى ضيف في البيت الأبيض

أشارت جيروزاليم بوست إلى أن الشرع، الذي كان قائداً بارزاً في فصيل مرتبط بتنظيم القاعدة الإرهابي، قاد "المتمردين" إلى النصر على بشار الأسد، بعد أن دمرت إسرائيل حزب الله الذي كان يدعم نظام الأسد، والآن، وبدعم أمريكي، يسعى الشرع إلى تقديم سوريا كقوة استقرار في المنطقة، ووجهة استثمارية مستقبلية.
وذكرت الصحيفة، أن ترامب يبدو مؤيداً تماماً لهذا التوجه، حيث قام بتعليق "قانون قيصر" لـ180 يوماً أخرى، والذي كان يمثل أشد أنظمة العقوبات على سوريا، كما استأنف العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ عام 2012، ونقلت عن ترامب قوله عن ضيفه: "لقد مررنا جميعاً بماض قاس.. بصراحة، أعتقد أنه لو لم يكن لديه ماض قاس، لما كانت لديه فرصة".

ملف الجولان يعود للواجهة

لفتت الصحيفة إلى أن هذا التحول مربك بالنسبة لإسرائيل، فبعد سنوات من التعامل مع سوريا ضعيفة ومعزولة، يتعين على تل أبيب الآن التكيف مع سوريا تعود إلى الساحة الدولية، تحت مظلة أمريكية.
وأشارت إلى أن الشرع، عندما سُئل في مقابلة مع "فوكس نيوز" عما إذا كانت سوريا ستنضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وتصنع السلام مع إسرائيل، تفادى السؤال بالقول: "الوضع في سوريا يختلف عن وضع دول الاتفاقات الإبراهيمية، سوريا لها حدود مع إسرائيل، وإسرائيل تحتل هضبة الجولان منذ عام 1967، لن ندخل في مفاوضات مباشرة الآن، ربما تساعدنا الإدارة الأمريكية مع الرئيس ترامب في الوصول إلى هذا النوع من المفاوضات".
واعتبرت جيروزاليم بوست، أن هذه الكلمات كاشفة، فباستخدامه مصطلح "الاحتلال"، أعاد الشرع تأكيد المطالبة بالجولان، وفعل ذلك بعد لقائه بالرئيس الأمريكي، الذي اعترف بسيادة إسرائيل على الهضبة الاستراتيجية في عام 2019، مما يشير إلى أنه يعتزم اختبار ما إذا كان الاعتراف الأمريكي لا رجعة فيه حقاً.

مباحثات أمنية خلف الكواليس

وبحسب الصحيفة، في الوقت الذي كان فيه ترامب والشرع يتبادلان عبارات الود في المكتب البيضاوي، كان مسؤولون أمريكيون وسوريون وإسرائيليون يناقشون بهدوء تفاهمات أمنية متبادلة منذ شهور، موضحة أن المحادثات تتمحور حول منع الاشتباكات على طول الحدود، وتحديد حدود الوجود العسكري الإسرائيلي الحالي في جنوب غرب سوريا.
ووفقاً للصحيفة، فإن هدف تل أبيب الرئيسي واضح، إضفاء الطابع الرسمي على منطقة عازلة تبقي القوات الإيرانية وقوات حزب الله بعيدة عن حدودها، مع الحفاظ على حرية عمل الجيش الإسرائيلي، وفي المقابل، يطرح المسؤولون الأمريكيون صيغاً مختلفة من نماذج فك الاشتباك السابقة التي تشمل مراقبة دولية مع ترك قمة جبل الشيخ تحت السيطرة الإسرائيلية.

معضلة إسرائيل

ترى "جيروزاليم بوست" أن سوريا المرتبطة بواشنطن، والتي تكبح نفوذ طهران تخدم مصالح تل أبيب، لكن تلك التي اكتسبت شرعية جديدة في واشنطن قد تسعى قريباً إلى مكاسب دبلوماسية، بدءاً من الجولان.
ولهذا السبب، تؤكد الصحيفة أنه يجب على إسرائيل أن تكون واضحة بشأن خطوطها الحمراء، والتي تنص على عدم وجود إيراني أو لحزب الله جنوب دمشق، ولا غموض بشأن ديمومة الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان.
وخلصت الصحيفة إلى أن هذه اللحظة تتطلب من إسرائيل اليقظة والخيال معاً، مستطردة: "اليقظة بشأن احتياجاتها الأمنية، والخيال لاستكشاف كيف يمكن لهذه العلاقة غير العادية بين ترامب والشرع أن تحول سوريا في النهاية من عدو لدود إلى جار مستقر".