لابد أولاً من الإشادة بقانون تجريم عدم احترام علم مصر والسلام الوطني، وأعتقد أن إظهار الاحترام لهما لا يدخل في منطقة حرية الاختيار، فلنتجاوز قليلاً مسالة أننا نتمنى قانوناً يجرم عدم احترام البنى آدم نفسه في مصر بالذات من جهة الدولة ومؤسساتها التي لا تتعامل مع المواطن باحترام كاف إلا في سياق لافتة مرورية (عزيزي قائد المركبة)، ما يهمني الآن هو احتمال أن يتعرض الواحد للعقوبة لظروف لا إرادية مثل أن يكون في مناسبة عامة ويتم عزف السلام الجمهوري، فيعجز الواحد عن الوقوف لأسباب من نوعية "ضهره قفش" أو "البنطلون اتفتق"، سيكون الواحد معرضاً لسنة سجن وقتها، والحقيقة أنا لست ضد العقوبة لكن ما خدش ولا يوم سجن في نسخة الموسيقار محمد عبد الوهاب الذى أعاد توزيع السلام الوطني فحول نسخة سيد درويش المليئة بالعاطفة والمشاعر إلى نسخة رتيبة خالية من الحماس والمشاعر بطريقة تقتل.

وإن كنت لا تصدقني، فإليك عدة تأكيدات.

أولاً: لاحظ في إستاد القاهرة عندما يكون ممتلئاً عن آخره في مباريات المنتخب مثلاً، تدخل فرقة الموسيقى العسكرية، تعزف "بلادي بلادي"، يستجيب لها الجمهور بطريقة روتينية بها قليل من الحماس، هذا القليل نابع من أهمية الماتش أصلاً، لكن لاحظ الفرق عندما تبدأ فرقة الموسيقى العسكرية وهى في طريقها للانصراف إلى عزف "يا أغلى اسم في الوجود" وانظر كيف تهتز المدرجات عند جزئية "ياااااا مصر"، وتأمل الأورجازم الوطني المليء بالحماس الصادق عند "نعيييش لمصر ونمووت لمصر"، زلزال يا أستاذ، أومال حضرتك فاكر ادارة استاد القاهرة قللت عدد الجمهور من 120 ألف إلى 70 ألف ليه؟، من فرط ما زلزلت كلمة مصر أسمنت الإستاد صادقة مخيفة مع غنوة الراحلة نجاح سلام.

ثانيا : الهدف الرئيسي من إعادة توزيع "بلادي بلادي" لتصبح نشيداً وطنياً كان "تهميد الجماهير أصلاً"، فالكل يعرف أنه في أعقاب معاهدة السلام مع اللى مايتسموش، رأى السادات (أو ربما طُلب ذلك منه في بنود كامب ديفيد) أنه لا مجال لأن تستمر أغنية (والله زمان يا سلاحي) كنشيد وطني رسمي، سلاحي إيه؟ باقولك معاهدة سلام، فاستعان السادات بموسيقار الأجيال ليقوم بتوزيع أغنية سيد درويش، بالرغم من أن عبد الوهاب عمره ما وزع أغنية في حياته.

يقول الأستاذ طارق الشناوي: من المؤكد أن عبد الوهاب لم يقم بالتوزيع لكنه عازف الأوكرديون والموزع مختار السيد بإشراف موسيقار الأجيال، ولو أعاد التليفزيون تسجيل استقبال عبد الوهاب وفرقة الموسيقي العسكرية للرئيس أنور السادات في مطار القاهرة عقب عودته من أمريكا سوف نلاحظ وجود مختار السيد علي أرض المطار بجوار محمد عبد الوهاب، كان السادات قد أصدر مرسوماً بأن يصبح عبد الوهاب لواءً حتي يقود فرقة الموسيقي العسكرية وكان الهدف هو إضفاء حالة من الإحساس الشعبي لاستقبال الرئيس السادات مدعمة أيضاً بأكبر رموز الموسيقي في العالم العربي.

هذه قصة على الهامش لكن المهم عند قراءة التوزيع الجديد موسيقياً كما يقول الملحن والموزع "يوسف العدل" أن عبد الوهاب كان مشغولاً بأن يعبر التوزيع الجديد عن دولة يقودها الجيش، فاستعان بالمارشات العسكرية حتى يظهر في السلام الجديد طعم الدولة الجديدة.

هذا يؤكد أن السلام في توزيعه الجديدة كان سلاماَ للرسميين، للموظفين ولأهل الدولة، راعى طلبات الرئيس ولم يراع طبيعة علاقة المصريين الموسيقية بمصر، والنتيجة المشهد الذى ذكرته قبل قليل من الإستاد.

ثالثاَ: ليس هناك دليل على أن السلام الوطني في توزيعه الجديد دعوة لـ "الهمدان" أكثر من كونه ظل لسنوات طويلة مفتاح المصريين إلى النوم، كانت الدولة تختم به إرسال التليفزيون معلنة انتهاء فقرة السهرة وضرورة التوجه إلى الفراش عشان ورانا شغل بكرة، دولة كانت تنهى يوم المواطن بالسلام الجمهوري كانت تعرف جيداَ أن رتابة التوزيع ستسحب الحماس من دم المواطن وترجعهوله مخدة قطن وده قمة الإعجاز الموسيقى، بدليل أن الدولة عندما توقفت عن إنهاء الإرسال بالسلام الوطني أصبحت تنيم المواطنين بصوت فاروق شوشة و"أوتار الليل".

أحترم السلام الوطني رغم تحفظاتي على كونه لم يعد يشبهنا كثيراَ بعد أن تبدلت الأحوال والمشاعر بل والأحلام ، وأنا مستعد آخد سنة سجن إذا لم يسر الخدر في أطرافي والمجموعة تغنى " بسم الله الله أكبر" أو لم يرتج القلب ووردة تقول "حلوة بلادي السمرا بلادي"، الأمر يحتاج لإعادة نظر من شخص جريء ، فالسلام الوطني في توزيعه المعهود لا يوقظ محبة مصر في القلب بالقدر الذى توقظه مثلاً أغنية " يابووووى ..يابوى يا مصر أما الواحد بيحبك حب".

(بلادي بلادي: كلمات يونس القاضي وألحان سيد درويش. والله زمان يا سلاحي: كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، بسم الله : كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدي. حلوة بلادي: عبد الرحيم منصور وبليغ حمدي. يا بوى يا مصر: كلمات عصام عبدالله وألحان هانى شنودة غناء محمد الحلو. يا أغلى اسم ف الوجود: كلمات اسماعيل الحبروك وألحان محمد الموجى).